recent
أخبار ساخنة

الدواء العجيب..!

 


الدواء العجيب..!

 

 

(  يَقُوْلُ رَسُوْلُ ألله ، صَلَىَ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَمْ : "لَيْسَ مِنَّاَ مَنْ غَشَّنَاَ" ) .

 

 

 

x     كَاَنَ " أَدْهَمُ "، شَاَبَاً مُتَعَطِّلَاً ، كَسْلَاَنُ ، سَىْءَ الْسِيْرَةِ ، والْسَرِيْرَةِ،  لَاَ يُحْسِنُ قًوْلاً ، وَلاَ عَمَلاً ،  وَلَاَ يُضْمِرُ خَيْرَاً لِأَحَدٍ ، وَلَاَ يُحِبُّ إِلاَّ نَفْسَهْ...

     وَكَاَنَ يَعِيْشُ ، فِىِ دَاَرٍ عَتِيْقَةٍ ، خَلَّفَهَاَ لَهُ أَبُوهُ ، فَأَجَّرَ جِنَاَحَاً مِنْهَاَ ، لِيُنْفِقَ مِنْ أُجْرَتِهِ، وَعَاَشَ فِىِ الْجِنَاَحِ الْآَخَرِ ، وَحِيْدَاً، فَرِيْدَاً ، بَاَئِسَاً، لَاَ يَعطِفُ عَلَيْهِ أَحَدُُ ، مِنَ الْأَهْلِ ، أَوْ الْجِيْرَاَنِ ، إِلاَّ عَََُُّمَّةُُ عَجُوْزُُ ، تُضَيِّفُهُ فِىِ بَعْضِ الْأَيَّاَمِ ، لِتُطْعِمَهُ، أَوْ لِتَرْقَعَ لَهُ ثِيَاَبَهُ ، أَوْ لِتَغْسِلَ لَهُ قَمِيْصَهُ الْبَاَلِىِ...

     وَكَاَنَ طَوِيْلاً ، نَحِيْلاً ، أَشْعَثَ الْشَّعْرْ، يَرْتَدِىِ قَمِيْصَاً أَحْمَرُ ، قَدْ بَلِىَ ، وَتَمَزَّقَ ، مِنْ كَثْرَةِ مَاَ إِتَّسَخَ ، وَغُسِلَ ، وَاَنْكَوَىَ ، فَوْقَ بنّطَلُوْنٍ قَدِيْمٍ ، مُخَطَّطٍ ، حَاَئِلِ اللَّوْنِ، يَنْتَهِىِ فَوْقَ رَقَبَةِ الْحِذَاَءِ ، فَيَكشِفُ عَنْ جُوْرَبٍ ، قَدْ تَدَلَّتْ أَطْرَاَفُهُ ، فَوْقَ حِذَاَءٍ مَرْقُوْعٍ ، تُطِلُّ مِنْهُ بَعْضُ أَصَاَبِعِهِ ...

     وَلَمْ يَكُنْ أَدْهَمُ ، رَاَضِيَاً بِحَاَلَتِهِ هَذِهِ ، فَقَدْ كَاَنَ يَتَمَنَّىَ ، أَنْ يَكُوْنَ ذَاَ مَاَلٍ ، لِيَكْوْنَ لَهُ قَمِيْصُُ جَدِيْدُُ ، وَبَنْطَلُوْنُُ نَظِيْفُ ، وَحِذَاَءُُُ غَيْرُ مَرْقُوْعٍ ، وَيَسْكُنَ ، فِىِ دَاَرٍ أَنِيْقَةٍ ، نَظِيْفَةٍ ، وَلَكِنَّهُ ، لَمْ يُحَاَوِلُ قَطٍ ، أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَاً نَاَفِعَاً ، يَكْسِبُ مِنْهُ الْمَاَلَ ، وَيُحَقِّقُ بِهِ مَاَ يُرِيْدُ ، مِنْ أَلْوَاَنِ السَّعَاَدَةِ ، بَلْ كَاَنَ يَكْتَفِىِ بَالْتَمَنِّىِِ ، ثُمَّ يَنَاَمُ ، لِيَحْلُمَ بِالنِّعَمِ ، الَّتِىِ يَشْتَهِيْهَاَ...

     وَفِىِ يَوْمٍ مِنْ أَيَاَمِ الشِّتَاَءِ ، ذَهَبَ أَدْهَمُ إِلَىَ سُوْقِ الْقَرْيَةِ ، لِيَشْتَرِىِ بَعْضِ حَاَجَاَتِهِ، فَرَأَىَ بَاَعَةً ، وَمُشْتَرِيْنَ ، وَبَضَاَئِعَ ، وَنَاَسَاً مِنْ كُلِ طَبَقَةٍ ، فَأَعْجَبَهُ مَاَ رَأَىَ ، وَقَاَلَ لِنَفْسِهِ :

     ( لَوْ كُنْتُ أَمْلُكُ بِضَاَعَةً ، مِمَّاَ يُبَاَعُ فِىِ هَذَاَ السُّوْقِ ، لَحَصَّلْتُ مَاَلاً كَثِيْرَاً...

     وَلَكِنَّهُ ، بَدَلَ أَنْ يَمْضِىَ ، فِىِ هَذَاَ الْتَفْكِيْرِ الْمُسْتَقِيْمِ ، أَطَاَعَ شَيْطَاَنَهُ ، وَمَضَىَ يُفَكِرُ فِىِ حِيْلَةٍ ، يَسْتَغِلُّ بِهَاَ ، غَفْلَةَ أَهْلِ السُّوْقِ ، لِيَكْسِبَ بَعْضَ الْمَاَلِ الْحَرَاَمِ !

     ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىَ دَاَرِهِ، فَجَمَعَ ، بَعْضَ مَاَ كَاَنَ مَرْكُوْمَاً فِىِ الزَّوَاَيَاَ ، وَفِىِ السِّلَاَلِ الْقَدِيْمَةِ ، مِنْ فَضَلَاَتِ الطَّعَاَمِ ، وَحُثَاَلَةِ الْمَاَئِدَةِ ، ثُمَّ أَخَذَ تِلْكَ الْفَضَلَاَتِ ، فَدَقَّهَاَ فِىِ الْهَاَوِنْ ، حَتَّىَ صَاَرَتْ كَاَلْدَقِيْقِ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهَاَ مَاَءً وَسُكَّرَاً ، وَأَخَذَ يُقلِّبُهَاَ ، حَتَّىَ صَاَرَتْ عَجِيْنَةً ، فَقَرَّصَهَاَ أَقْرَاَصَاً صَغِيْرَةً ، ثُمَّ بَسَطَ الْأَقْرَاَصَ ، عَلَىَ وَرَقَةٍ فِىِ مَمَرِّ الرِّيْحِ ، حَتَّىَ يَبِسَتْ ، فَجَعَلَهَاَ عَشَرَاَتٍ ، ثُمَّ وَضَعَ ، كُلَّ عَشَرَةٍ مِنْهَاَ ، فِىِ كِيْسٍ مِنَ الْوَرَقِ ، وَحَمَلَ الْأَكْيَاَسَ عَلَىَ صِينِيَّةٍ ، وَذَهَبَ بِهَاَ إِلَىَ السُّوْقِ ...

وَفَىَ مَكَاَنٍ ، مُزْدَحِمٍ بِالنَّاَسِ ، يَمُرُ بِهِ الذَّاَهِبُ وًالْآَيِبُ ، بَسَطَ أَدْهَمُ " بَضَاَعَتَهُ"، عَلَىَ الصِّينِيَّةِ، ثُمَّ

أَخَذَ يُنَاَدِىِ

- دَوَاَءُُ عَجِيْبُُ ، يَشْفِىِ السُّعَاَلَ الْحَاَدَّ ، مِنْ أَوَّلِ قُرْصٍ !

     وَكَاَنَ يَسْعِلُ ، سُعَاَلاً عَنِيْفَاً ، بَعْدَ كُلِّ نِدَاَءٍ ، فَإِذَاَ كَفَّ السُّعَاَلُ ، عَاَدَ يُنَاَدِىِ :

- دَوَاَءُُُ عَجِيْبُُ ...

     فَاجْتَمَعَ النَّاَسُ عَلَىَ نِدَاَئِهِ ، وَوَقَفُوُا يَعْجَبُوْنَ لِأَمْرِهِ ، كَيْفَ يَبِيْعُ دَوَاَءَ السُّعَاَلِ ، وَلَاَ يُدَاَوِىِ نَفْسَهْ؟!

     فَصَاَحَ بِهِ ، أَحَدُ الْوَاَقِفِيْنَ :

- إِذَاَ كَاَنَ دَوَاَؤُكَ كَمَاَ تَصِفُ ، فَلِمَاَذَاَ لَاَ تُجَرْبُهُ ، فَيَزْوْلَ عَنْكَ، هَذَاَ الْسُّعَاَلُ الْمُؤْلِمُ ؟

     قَاَلَ أَدْهَمُ ، وَهُوَ يَفْتَحُ كِيْسَاً مِنْ أَكْيَاَسِهِ:

- مَعْذِرَةً ، فَقَدْ كُنْتُ نَاَسِيَاً !

     ثُمَّ أَخْرَجَ ، قُرْصَاًً مِنَ الْكِيْسِ ، وَابْتَلَعَهْ ، فَاَنْقَطَعَ السُّعَاَلُ ، مِنْ فَوْرِهِ ، وَاَرْتَفَعَ صَوْتُهُ بِالْنِدَاَءِ ، صَاَفِيَاً ، نَقِيَّاً، كّأَنَّ لِمْ يَكُنْ بِهِ دَاَءُُ !

     وَعَجِبَ النَّاَسُ ، لِهَذِهِ الْنََتِيْجَةِ السَّرِيْعَةِ، الْتِىِ رَأُوْهَاَ بِأَعْيُنَهُمْ ، فَأَقْبَلُوُا عَلَىَ الْأَكْيَاَسِ ، يَشْتَرُوْنَهَاَ ، حَتَّىَ نَفَدَتْ كُلَّهَاَ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَاَ عَلَىَ الصِّينِيَّةِ ، كِيْسٍ وَاَحِدٍ ، وَامْتَلَأَ جَيْبُ أَدْهَمَ بِالْمَاَلِ !

     وَكَاَنَ أَوَّلُ مَاَ فَعَلَهُ أَدْهَمُ ، بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ إِشْتَرَىَ قَمِيْصَاً زَاَهِيَاً ، ثُمَّ خَلَعَ الْقَمِيْصَ الْأَحْمَرَ الْبَاَلِىِ، فَرَمَاَهُ ، وَلَبِسَ الْقَمِيْصَ الْجَدِيْدَ ...

     وَأَعْجَبَهُ الْقَمِيْصُ، فَلَمْ يَلْبَسْ فَوْقَهُ سُتْرَةً، وَكَاَنَ الْجَوُ بَاَرِدَاً ، وَالرِّيْحُ شَدَيْدَةً ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَاَلِ بِالْبَرْدِ ، وَلَاَ بِالرِّيْحِ، وَمَشَىَ يَتَخَاَيَلُ عَلَىَ أَعْيُنِ النَّاَسِ ، بِالْقَمِيْصِ الزَّاَهِىِ ... !

     وَنَفَذَ الْبَرْدُ إِلَىَ صَدْرِ أَدْهَمِ ، فَلَمْ يَكَدْ يَأْتِىِ الْمَسَاَءُ ، حَتَّىَ زُكِمَ أَنْفُهُ ، وَاحْتَقَنَ زَوْرُهُ ، وَضَاَقَتْ نفََسُهُ، وَأَحَسَّ فِىِ رَأْسِهِ، بِصُدَاَعٍ شَدِيْدٍ، فَأَسْرَعَ إِلَىَ دَاَرِ عَمَّتِهِ، لِيَطْلُبَ عِنْدَهَاَ الْدِفءَ، وَالْمَأْوَىَ !..

     وَأَوَىَ أَدْهَمُ إِلَىَ الْفَرَاَشِ ، وَهُوَ يَرْتَعِدُ وَيَسْعُلُ ، فَأَسْرَعَتْ عَمَّتُهُ إِلِىِ صِوَاَنِهَاَ ، فَأَحْضَرَتْ كِيْسَاً ، ثُمَّ عَاَدَتْ إِلَيْهِ، وَهِىَ تَقُوْلُ :

- مِنْ حُسْنِ الْحَظِ ، أَنَّ عِنْدِىِ الْيَوْمَ ، دَوَاََءً يَشْفِيْكَ يَاَ أَدْهَمُ ، خُذْ قُرْصَّاً ، مِنْ هَذَاَ الْدَوَاَءِ الْعَجِيْبِ ، فَإِنَّهُ يَشْفِيْكَ سَرِيْعَاً !

     فَتَنَاَوَلَ أَدْهَمُ قُرْصَّاً ، وَقُرْصَّاً ثَاَنِيَاً ، وَثَاَلِثَاً ، وَعَشْرَةَُ أَقْرَاَصٍ ، وَلَكِنَّ سُعَاَلَهُ، لَمْ يَخِفَّ ، فَاسْتَعْجَبَتِ الْعَمَّةُ ، وَقَاَلَتْ:

- هَذَاَ عَجِيْبُُ ، فَإِنَّ قُرْصَاً وَاَحِدَاً ، مِنْ هَذَاَ الْدَوَاَءِ ، يَشْفِىِ السُّعَاَلَ الْحَاَدَّ ، فِىِ ثَوَاَنٍ !

     قَاَلَ أَدْهَمُ :

- مِنْ أَيْنَ إِشْتَرَيْتِ هَذَاَ الْدَوَاَءَ يَاَ عَمَّتِىِ ؟

     قَاَلَتْ :

- لِقَدْ إِشْتَرَتْهُ الْيَوْمَ إِحْدَىَ صَدِيْقَاَتِىِ ، مِنَ السُّوْقِ ، وَقَدْ جَرَّبَهُ بَاَئِعُ الْأَقْرَاَصِ نَفْسُهُ !

     وَعَرِفَ أَدْهَمُ ، أَنَّهُ هُوَ ، بَاَئِعُ تِلْكَ الْأَقْرَاَصُ ، فَغَشِيَتْ نَفْسُهُ ، وَصَاَحَ :

- آَه ، يَاَ بَطْنِىِ ! إِنَّ هَذِهِ الْأَقْرَاَصَ الْخَبِيْثَةَ، هِىَ بَقَاَيَاَ أَكْلٍ قَذِرٍ ، لَقَدْ صَنَعْتُهَاَ بِنَفْسِىِ ، وَلَمْ يَكُنْ سُعَاَلِىِ فِىِ السُّوْقِ ، إِلَّاَ تَمْثِيْلاًً ، لِيُصَدِقُنِىِ النَّاَسِ !

     وَأَحَسَّ أَدْهَمُ ، بِأَلَاَمٍ شَدِيْدَةٍ ، فِىِ بَطْنِهِ، فَأَسْرَعَتْ إِلَيْهِ عَمَّتُهُ ، بِالْطَبِيْبِ ...

     وَتَكَلَّفَ أَدْهَمُ ، فِىِ عِلَاَجِ هَذَاَ الْمَرَضِ، أَكْثَرَ مِمَّاَ سَلَبَ مِنْ أَمْوَاَلِ النَّاَسِ، بَالْخِدَاَعِ ، وَالْغِشِ ، وَذَاَقَ مِنْ آَلَاَمِ الْمَعِدَةِ ، وَمِنْ مَرَاَرَةِ الدَّوَاَءِ الْكَرِيْهِ ، أَشَدَّ مِمَاَ ذَاَقَ ، مِنْ لَذَّةِ الْكَسْبِ الْحَرَاَمِ ، وَكَاَنَ أَشَدُ مَاَ عَاَنَاَهُ مِنَ الْأَلَمَِ ، أَنَّهُ ظَلَّ سَجِيْنَاً فِىِ الْمُسْتَشْفَىَ، شَهْرَيْنِ كَاَمِلَيْنِ ، حَتَّىَ بَرِىءَ مِنْ دَاَءِ الصَّدْرِ، وَدَاَءِ الْمَعِدَةِ ، فَتَعَلَّمَ مِنْ تِلْكَ الآَلاَمِ ، أَنَّ الْمَاَلَ الْحَرَاَمَ ، شُؤْمُُ عَلَىَ كَاَسِبِهِ !

 

إِنْتَهِت

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent