recent
أخبار ساخنة

البرطمان المسحور

 

ظن القاصد الغريب أن مفتاح زنزانة أحلامه بيد الشيخ المبروك، مطفش الجن والعفاريت من أجساد الملبوسين والممسوسين، مفكك الأعمال السفلية للسحرة المجبولين على عصيان أمر الله المُقيم في شئون عباده الصالحين. وهناك. لم يلق مشقة في العثور على بيته، فالشيخ المبروك له شهرة، ولأمره ذيوع، ولأخباره اتصال بعموم الكنانة، لسعي القُصاد إليه، وأصحاب المسألة من كل فج، فهو مُراد الطالبين، ونهاية مقصد الساعين. وصحيح أنه مُعمر، أي طاعن في السن، لكنه يبدو صحيح البنية، غير ذي علة، يتبع نظاماً غذائياً غريباً، إذ يتناول في إفطاره حبة ثوم، ونصف كيلو بصل مشوي. وفي الغداء. طبق خضار مسلوقاً. وفي العشاء. كوباً من عصير التوت البري. لا يقرب اللحم، أو البيض، أي شئ حيّ يمِت إلى البر، أو البحر. يغطي رأسه بطاقية من صوف الغنم المغزول يدوياً، ويتمدد فوق لوح خشبي مغطى بملاءة رقيقة، ثم يروح في سُبات عميق، لا يوقظه منه قرع الطبول. وفي الصباح الباكر، قبل إطلالة الشمس، يُرى في الغيطان الفسيحة المُحيطة بالقرية كثيرة الحرث والنسل واللبن، ماشياً لمدة ساعة. الدلائل تشير إلى عنفوانه، وأنه سيتجاوز المائة من عمره، إنه الشقيق الأصغر لسبعة ذكور، عاش أقلهم مائة وعشرين سنة، وقبالة باب دهليز بيته الريفي الكبير حسن البناء في قبلي القرية الهادئة، يتجمهر كل يوم رهط الخلق من كل حدب وصوب، يفترشون الأرض على أعتابه الميمونة، يحدوهم أمل الشفاء، والفوز بالبرطمان المسحور، المملوء بالحنتيت وزيت الزيتون وزيت حبة البركة ودم الغزال والمسك والعنبر والزعفران والمستكة وبودرة عين العفريت والشبَّه والفاسوخة وعصعوص عُرف الديك الشركسي. وتحت هدوء متكاثف ثقيل.. والهدوء حين يتكاثف ويستتب، يصبح شيئاً مروعاً، وهو يحتوي القاصد الغريب، حين يسمع فجأة من خُن الغرفة المنعزلة وقع دفوف وطبول يزداد شيئاً فشيئاً، فتزداد صرخات وتأوهات وغنج وشخير النسوة من كل الأعمار، مخلوطة بصوت أجش يُنشد:   سُلطان الجن الأحمر والغايب هِنا يحضَر يِحضر معانا ويلبس احمر في احمر يا لا السماح يا سيادي يا لا الهُدى إبن الحلال يا سيادي عليه الهُدى   وبجسد نحيل يحمل وجهاً شمعياً، بعيون ذابلة مفعمة بالسلام، وبلهفة المستجير، يميل القاصد الغريب على أذن جاره الريفي المُعمم الغامض، المكوم فوق الفرشة الخضراء للقاعة الفسيحة المشغية بالوجوه المدهوشة البلهاء، والتي أرخيت على أبوابها وكواتها ستائر من المخرمات الدقيقة الصنع، الجميلة الزخرفة: ألا تلاحظ معي أن كل النسوة بالداخل يتأوهن ويصرخن بأصوات ناعمة فقط؟!. بدا وجه المُعمم الغامض نحاسياً أسمراً، ورموشه صفراء طويلة، واللاسة التي تعمَّم بها من حرير، وجلبابه أزرق من الصوف، ينتهي بياقة مسدودة تحيط برقبته، وأكمام طويلة مثنية، وله سروال. -وما الضير في ذلك يا بُني؟!.  هكذا رد المُعمم الغامض بالتفاتة مدمجة بالبلاهه، وهو يتفرس بسهولة في وجه القاصد الغريب، وفي الوجوه المجهدة من حوله. -لا شئ يا عم، ولكن، هل من المعقول أن كل النسوة لا يتلبسهن سوى الجنيات فقط؟!. أين الجن؟!.       يجيب المعمم الغامض بانتباهة: غير معقول يا بُني، ولكن، إن كان الأمر كذلك، فالجن عنده حق، فكل النسوة لا يأتي من ورائهن إلا وجع القلب، إسالني أنا!.       يعقب القاصد الغريب بلعثمة: بالمناسبة، يبدو والله أعلم أن الفأر بدأ يلعب في عبي، هيا ننصرف من هنا يا عم، نفلت بجلدنا، ورزقي ورزقك على الله!.       ينتفض المُعمَّم الغامص ويقترب بحذر من القاصد الغريب، يهمس في أذنه: يا بُني، إن دخول الحمام ليس مثل الخروج منه، إنسىَ، عفاريت الشيخ المبروك حُراس العتبة الخضراء أغلقوا الأبواب من الخارج والداخل بالمتاريس والترابيس والأقفال، ويا ويله يا سواد ليله من يخرج بدون إذن مولانا الشيخ المبروك!.       يعوج وجه القاصد الغريب، ويسبل جفنيه، ويقول بذعر: ماذا تقصُد يا عم؟!. -أقصد أن الشيخ المبروك مخاوي، وبه شئ لله، ومكشوف عنه الحجاب، وأماراتُه من الكثرة بحيث بلغت بلاد واق الواق!.       يعقب القاصد الغريب بانتباهة أشد من الأولة: يا سلام، وما تلك الأمارات يا عم؟!.       يزداد المعمم الغامض التصاقاً بالقاصد الغريب، وبلمعة من عينيه الضيقتين، وبلهجة مضغوطة: بأمارة التعريفه التي ثقبها، والبحر الذي رصفُه، والسماء التي زرعها بالتفاح، وقنديل ام هاشم الذي أناره بالكهرباء، والفيل الذي صرُّه في منديل، والقصور التي بناها في الهواء، وسجادة الصلاه التي فرشها بالدُعاء!.       يوسع القاصد الغريب من عينيه ويقول: يا سلام، يا سلام؟!. يضحك المعمم الغامض ويقول: ليس هذا فقط، بل هو أيضاً الذي ألبس البومه نظارة، والذئب كمامه، والأسد طرحه، وعُرف الديك برنيطه، والبغبغاء جاكته، والغزالة ميني جيب، والزرافة مايوه، ووحيد القرن بذلة رقص!.       بحماس وابتسامة جانبية بلهاء يقول القاصد الغريب: ياااه، كُل هذا، يبدو والله أعلم أنه شيخ مبروك بحق. أرجوك يا عم زيدني من نفحاته ومعجزاته وكراماته!.       يُعدل المعمم الغامض من عمامته ويقول: وفوق كل هذا وذاك صنع من الحدأة يمامة، ومن الأسد أرنب، وحلب الثور لبن كامل الدسم، وقص شعر شمشون على الزيرو، وعزم سالومي على صينية عشاء من غير المعمدان، وصنع من الجن الأحمر بهلوان!.       يفنجل القاصد الغريب من عينيه أكثر، وبحروف متكئة يعقب: يكفي هذا يا عم، يكفي هذا، وادعو معي أن يجعل كلامنا خفيفاً عليه وعلى عفاريته. لكن أستحلفك بالله أن تطلب من شيخك المبروك، أن يصنع ما هو نافع للناس، فقد يناله ثواب من الله، ودعوات تقعد له!.       بعدة إيماءات من رأس المعمم الغامض يقول: لا تستعجل على رزقك يا بُني، فالشيخ المبروك ينوي والنية لله، أن يصنع لنا مُعجزة أكبر من كل مُعجزاته وكراماته السابقة!.       بشغف طفولي يسأل القاصد الغريب: كيف؟!. كيف؟!.       وكمن يبتلع كلماته، أجاب المعمم الغامض: ينوي والنية لله، وبعون عفاريته الزرقاء والحمراء والخضراء والفوشياء، أن يرخص لنا اللحم بكل أصنافه، والسكن والمواصلات والذي منه، ويبيض رغيف الخبز، ويردم البلاليع والنُقر في الشوارع، ويصنع مطبات صناعية على حسب المواصفات القياسية العالمية، ويبني المدارس والمصانع والمُستشفيات، ويستصلح الأراضي ويمنحها للعاطلين من أمثالك. كما ينوي والنية لله أن يقضي قضاءً مُبرماً على الرشوه والمحسوبيه والدروس الخصوصية. وهلم جرا.       يصمت المعمم الغامض لبرهة، ثم بوشوشة يقول: كما ينوي أيضاً أن يحل كل المشاكل الباقية من طق طق لسلامو عليكم، أتصدق هذا؟!.       بدهشة بالغة وبشاشة وجه، يميل القاصد الغريب على أذن المُعمم الغامض ويقول:  والله، ثم والله، ثم والله، وبعقد الهاء، إن حدث هذا، سأبصم بالعشرة وأعلنها من فوق أعلى منبر، بأن شيخك المبروك مكشوفا عنه الحجاب بحق، وبه شئ لله بحق، فما لنا والبحر الذي رصفُه، أو البومه التي ألبسها نظارة، أو حتى ألبسها في قطار من اياهم؟!.       بابتسامة خفيفه يعقب المعمم الغامض: عندك حق يا بُني، عندك حق، وبالمناسبة، الشيخ المبروك ينوي أيضاً، والنية لله، أن يفرح البلاد والعباد بالديمقراطية التي يتغنون بها ليل نهار في أوروربا وأمريكا، أتصدق هذا؟!.      بحروف هامسة راقصة يجيب القاصد الغريب: لا، لا، قل كلام غير هذا يا عم، فوالله، ثم والله، ثم والله، وبعقد الهاء، إن حدث هذا، ستصبح الحياة أخيراً في الكنانة بطعم ولون وعطر الياسمين، والناس سوف تعيش ما بقى لها من أيام تحت شمس ديمقراطية كُنا قد ظننا أنها والعنقاء أو الخل الوفي سواء بسواء!.        ثم في انفعاله: وماذا بعد يا عم، ماذا بعد، هل هناك شئ آخر؟!.        يُوسع المعمم الغامض من عينيه المزرورتين المغبشتين، وباستداره بطيئة من رأسه الضخم: لا، لا، يكفي عليك هذا يا بُني، لا تطمع في المزيد، آذان الظهر يقترب، ثم أنني غير مسموح لي بالتكلم معك أكثر!.       وكمن يريد أن يجري عملية تصفية لكلماته، يعقب القاصد الغريب: لكن، قل لي بالله عليك يا عم.. من أين علمت بأنني عاطل، ولا أملك قوت يومي، رغم حصولي على أفخر الشهادات، لا أفخر الثياب؟!.      بابتسامة باهته من جانب فمه يجيب المعمم الغامض: وهل الأمر يحتاج إلى فراسة يا بُني؟!. يكفي وجودك معنا كي نستبين!.       ثم بنصف انتصابة: قم، قم، يا ذكي، كي نتوضأ، ولا تنسى أن تدعو في صلاتك لمولانا  الشيخ المبروك الله يخليه!.       وقبيل أذان الظهر، يتتالي ولوج المحمولات على الأعناق عرايا أو شبه عرايا، أبكار وغير أبكار، فيتتالى وقع مشاهد الغرابة على الوجوه المشرئبة بأعناقها لباب الغرفة الدوار، المحتشد بالغاديات الرائحات، المائلات المميلات، والمنصرفات تباعاً. وفي إثر ذلك يؤدي الرجال الصلاة جماعة، ثم يعلو النداء المبحوح من الشيخ المبروك الوقور المهيب الأكحل، ذي الجلباب الأبيض والعباءة السوداء ذات الأكمام الطويلة الموشاة بالقصب والديباج ودوائر السبح الملونة وكفوف خمسة وخميسة وحبات الخرز الأزرق والأحمر الكهرمان، ويتبع النداء في الحال طاعة الرجال لأمر التحولق على البساط الأحمر المواجه لركن الشيخ المبروك المصنوع من اللبد الأبيض المبطن بالحرير الموشى. على مدخله من جهة مائدة ضمت إلى اللحم المجفف واللبن في أوعيته صنوفاً من الفاكهة، ومن جهة أخرى. منصة عالية عليها البُسط والوسائد، قد هيئت لجلوس الشيخ المبروك الذي ما إن ينعقد له المجلس وسط حلقات دخان أعواد البخور الحبشي، وفواح عطور البرابرة من الشند والقرنفل.. بإشارة من قبضة يده المخلبية، يتمطي المُعمم الغامض برداءه الأزرق المهندَم، شاربه الأسود الكث، لحيته الطويلة الهيش. زاحفاً من أول الرصة. وبنصف انتصابة كلبية وعينين حمراوتين، ينقض الشيخ المبروك بكرباجه المجدول الغطيس، يطبق علي مفاصل أنامل المُعمم الغامض المتأوه بالتواءة التسليم، نافثاً في وجهه الممتعض الممصوص حمم تمتماته الماجنة، أسئلته الفجة العابثة بالغمز واللمز وعُهر اللفتات الموحية: حامل في كم شهر يا بنت؟!.        ينفجر المُعمَّم الغامض في عويل مُفجع، يرتمي على البساط، يخبط رأسه في الأرض، يرتعد فاقداً الوعي، يتلوى كأنة في قبضة جلاد يسوطه ويعذبة، ثم يزعق بصوت مخنث مخنوق: آاااه، الرحمه يا شيخنا المبروك!.        ثم بوشوشة ناعمه تسنطيل لها الأعناق: لماذا يا سيد الناس (هه)؟!. أنا إمرأة، لا بنت!.       يقول الشيخ المبروك بغلظة: إذن أجيبي يا امرأة، ولا داعي للمراوغة، حامل في كم شهر؟!.        يجيب المعمم الغامض بهدوء ولين مريبين: والختمه الشريفه حامل في شهرين، هل استرحت؟!. -وهل الدورة تأتي في الميعاد، أم لا تأتي في الميعاد، أم لا تأتي من أصله؟!. -إطمئن، والختمه الشريفه تأتي في الميعاد؟!. -وما هو إسمك؟!. -إسمي خضره الشريفه!.       بقهقهة موتورة يقول الشيخ المبروك: ما شاء الله، ما شاء الله، إسم النبي حرصك، وأيضاً خضره الشريفه؟!. وما هي طلباتك يا خضره الشريفه العفيفه؟!. -الصُّلح!. -ولم لا؟!, ولم لا؟، الصُلح خير على راي واحدة من أهل المغنى. شئ آخر يا خضره الشريفه؟!. شئ آخر؟!. -أن تتركني وشأني حتى الولاده!. -وبعد الولاده؟!. -ساخرج منه. ولكن بشرط!. -ما شرطك؟!. أجيبي بسرعه، وإلاااا.. -أن يستحم بدم قرموط حي كل يوم جمعه قبل الصلاه، ويرتدي خاتم ذهب منقوش علية اسمي في بنصر يده اليسرى، ويدهن جسمه كل ليله من  برطمانك المسحور، ولمدة سنه كامله، لا تنقُص يوم!.       يفغر الشيخ المبروك فاهه عن ابتسامة صفراء يابسة، يجوب ببصره بين الوجوه المدهوشة الباهتة البلهاء، ثم يقول: طلباتك مُجابة يا ست خضره الشريفه العفيفه، شئ آخر؟!. -عشت يا سُلطان الجن!. بترديد بعض التمتمات الغامضة في أذن المُعمم الغامض اليسرى، ينفض الشيخ المبروك يده منه، يجول ببصره بين الوجوه المكفهرة الشاخصة بأعناقها، وبلهجة آمره يقول: قم يا ولد، فز، إنتهىَ، إذهب ولا تنسى الدفع، وأخذ برطمانك المسحور، تدهن منه جسدك كل ليله، وتأتيني بعد شهرين لإبلاغك بباقي طلبات ستك خضرة الشريفة العفيفة!.       يتململ الحضور، تنكسر النظرات، تميل الأعناق، تمتد الأيدي الواجفة فوق البطون، تُرج القاعة بهستيريا همهمات وقهقهات الشيخ المبروك، يصرخ في الوجوه المدهوشة والملامح البلهاء: لا تخشوا شيئاً، لا تخشوا شيئاً، سليمه ان شاء الله!. ثم يوغل الشيخ المبروك في شفق كابي، وهو يهتف وينظر إلى أحدهم بنظرة حديد كأنها لرسول مؤمن برسالته إلى حد الجنون والبطش: أنت. وإياك إياك أن تبطئ بالقدوم!.
 

البرطمان المسحور


ظن القاصد الغريب أن مفتاح زنزانة أحلامه بيد الشيخ المبروك، مطفش الجن والعفاريت من أجساد الملبوسين والممسوسين، مفكك الأعمال السفلية للسحرة المجبولين على عصيان أمر الله المُقيم في شئون عباده الصالحين. وهناك. لم يلق مشقة في العثور على بيته، فالشيخ المبروك له شهرة، ولأمره ذيوع، ولأخباره اتصال بعموم الكنانة، لسعي القُصاد إليه، وأصحاب المسألة من كل فج، فهو مُراد الطالبين، ونهاية مقصد الساعين. وصحيح أنه مُعمر، أي طاعن في السن، لكنه يبدو صحيح البنية، غير ذي علة، يتبع نظاماً غذائياً غريباً، إذ يتناول في إفطاره حبة ثوم، ونصف كيلو بصل مشوي. وفي الغداء. طبق خضار مسلوقاً. وفي العشاء. كوباً من عصير التوت البري. لا يقرب اللحم، أو البيض، أي شئ حيّ يمِت إلى البر، أو البحر. يغطي رأسه بطاقية من صوف الغنم المغزول يدوياً، ويتمدد فوق لوح خشبي مغطى بملاءة رقيقة، ثم يروح في سُبات عميق، لا يوقظه منه قرع الطبول. وفي الصباح الباكر، قبل إطلالة الشمس، يُرى في الغيطان الفسيحة المُحيطة بالقرية كثيرة الحرث والنسل واللبن، ماشياً لمدة ساعة. الدلائل تشير إلى عنفوانه، وأنه سيتجاوز المائة من عمره، إنه الشقيق الأصغر لسبعة ذكور، عاش أقلهم مائة وعشرين سنة، وقبالة باب دهليز بيته الريفي الكبير حسن البناء في قبلي القرية الهادئة، يتجمهر كل يوم رهط الخلق من كل حدب وصوب، يفترشون الأرض على أعتابه الميمونة، يحدوهم أمل الشفاء، والفوز بالبرطمان المسحور، المملوء بالحنتيت وزيت الزيتون وزيت حبة البركة ودم الغزال والمسك والعنبر والزعفران والمستكة وبودرة عين العفريت والشبَّه والفاسوخة وعصعوص عُرف الديك الشركسي. وتحت هدوء متكاثف ثقيل.. والهدوء حين يتكاثف ويستتب، يصبح شيئاً مروعاً، وهو يحتوي القاصد الغريب، حين يسمع فجأة من خُن الغرفة المنعزلة وقع دفوف وطبول يزداد شيئاً فشيئاً، فتزداد صرخات وتأوهات وغنج وشخير النسوة من كل الأعمار، مخلوطة بصوت أجش يُنشد:

 

سُلطان الجن الأحمر

والغايب هِنا يحضَر

يِحضر معانا

ويلبس احمر في احمر

يا لا السماح يا سيادي

يا لا الهُدى

إبن الحلال يا سيادي

عليه الهُدى

 

وبجسد نحيل يحمل وجهاً شمعياً، بعيون ذابلة مفعمة بالسلام، وبلهفة المستجير، يميل القاصد الغريب على أذن جاره الريفي المُعمم الغامض، المكوم فوق الفرشة الخضراء للقاعة الفسيحة المشغية بالوجوه المدهوشة البلهاء، والتي أرخيت على أبوابها وكواتها ستائر من المخرمات الدقيقة الصنع، الجميلة الزخرفة: ألا تلاحظ معي أن كل النسوة بالداخل يتأوهن ويصرخن بأصوات ناعمة فقط؟!.

بدا وجه المُعمم الغامض نحاسياً أسمراً، ورموشه صفراء طويلة، واللاسة التي تعمَّم بها من حرير، وجلبابه أزرق من الصوف، ينتهي بياقة مسدودة تحيط برقبته، وأكمام طويلة مثنية، وله سروال.

-وما الضير في ذلك يا بُني؟!.

 هكذا رد المُعمم الغامض بالتفاتة مدمجة بالبلاهه، وهو يتفرس بسهولة في وجه القاصد الغريب، وفي الوجوه المجهدة من حوله.

-لا شئ يا عم، ولكن، هل من المعقول أن كل النسوة لا يتلبسهن سوى الجنيات فقط؟!. أين الجن؟!.

      يجيب المعمم الغامض بانتباهة: غير معقول يا بُني، ولكن، إن كان الأمر كذلك، فالجن عنده حق، فكل النسوة لا يأتي من ورائهن إلا وجع القلب، إسالني أنا!.

      يعقب القاصد الغريب بلعثمة: بالمناسبة، يبدو والله أعلم أن الفأر بدأ يلعب في عبي، هيا ننصرف من هنا يا عم، نفلت بجلدنا، ورزقي ورزقك على الله!.

      ينتفض المُعمَّم الغامص ويقترب بحذر من القاصد الغريب، يهمس في أذنه: يا بُني، إن دخول الحمام ليس مثل الخروج منه، إنسىَ، عفاريت الشيخ المبروك حُراس العتبة الخضراء أغلقوا الأبواب من الخارج والداخل بالمتاريس والترابيس والأقفال، ويا ويله يا سواد ليله من يخرج بدون إذن مولانا الشيخ المبروك!.

      يعوج وجه القاصد الغريب، ويسبل جفنيه، ويقول بذعر: ماذا تقصُد يا عم؟!.

-أقصد أن الشيخ المبروك مخاوي، وبه شئ لله، ومكشوف عنه الحجاب، وأماراتُه من الكثرة بحيث بلغت بلاد واق الواق!.

      يعقب القاصد الغريب بانتباهة أشد من الأولة: يا سلام، وما تلك الأمارات يا عم؟!.

      يزداد المعمم الغامض التصاقاً بالقاصد الغريب، وبلمعة من عينيه الضيقتين، وبلهجة مضغوطة: بأمارة التعريفه التي ثقبها، والبحر الذي رصفُه، والسماء التي زرعها بالتفاح، وقنديل ام هاشم الذي أناره بالكهرباء، والفيل الذي صرُّه في منديل، والقصور التي بناها في الهواء، وسجادة الصلاه التي فرشها بالدُعاء!.

      يوسع القاصد الغريب من عينيه ويقول: يا سلام، يا سلام؟!.

يضحك المعمم الغامض ويقول: ليس هذا فقط، بل هو أيضاً الذي ألبس البومه نظارة، والذئب كمامه، والأسد طرحه، وعُرف الديك برنيطه، والبغبغاء جاكته، والغزالة ميني جيب، والزرافة مايوه، ووحيد القرن بذلة رقص!.

      بحماس وابتسامة جانبية بلهاء يقول القاصد الغريب: ياااه، كُل هذا، يبدو والله أعلم أنه شيخ مبروك بحق. أرجوك يا عم زيدني من نفحاته ومعجزاته وكراماته!.

      يُعدل المعمم الغامض من عمامته ويقول: وفوق كل هذا وذاك صنع من الحدأة يمامة، ومن الأسد أرنب، وحلب الثور لبن كامل الدسم، وقص شعر شمشون على الزيرو، وعزم سالومي على صينية عشاء من غير المعمدان، وصنع من الجن الأحمر بهلوان!.

      يفنجل القاصد الغريب من عينيه أكثر، وبحروف متكئة يعقب: يكفي هذا يا عم، يكفي هذا، وادعو معي أن يجعل كلامنا خفيفاً عليه وعلى عفاريته. لكن أستحلفك بالله أن تطلب من شيخك المبروك، أن يصنع ما هو نافع للناس، فقد يناله ثواب من الله، ودعوات تقعد له!.

      بعدة إيماءات من رأس المعمم الغامض يقول: لا تستعجل على رزقك يا بُني، فالشيخ المبروك ينوي والنية لله، أن يصنع لنا مُعجزة أكبر من كل مُعجزاته وكراماته السابقة!.

      بشغف طفولي يسأل القاصد الغريب: كيف؟!. كيف؟!.

      وكمن يبتلع كلماته، أجاب المعمم الغامض: ينوي والنية لله، وبعون عفاريته الزرقاء والحمراء والخضراء والفوشياء، أن يرخص لنا اللحم بكل أصنافه، والسكن والمواصلات والذي منه، ويبيض رغيف الخبز، ويردم البلاليع والنُقر في الشوارع، ويصنع مطبات صناعية على حسب المواصفات القياسية العالمية، ويبني المدارس والمصانع والمُستشفيات، ويستصلح الأراضي ويمنحها للعاطلين من أمثالك. كما ينوي والنية لله أن يقضي قضاءً مُبرماً على الرشوه والمحسوبيه والدروس الخصوصية. وهلم جرا.

      يصمت المعمم الغامض لبرهة، ثم بوشوشة يقول: كما ينوي أيضاً أن يحل كل المشاكل الباقية من طق طق لسلامو عليكم، أتصدق هذا؟!.

      بدهشة بالغة وبشاشة وجه، يميل القاصد الغريب على أذن المُعمم الغامض ويقول:  والله، ثم والله، ثم والله، وبعقد الهاء، إن حدث هذا، سأبصم بالعشرة وأعلنها من فوق أعلى منبر، بأن شيخك المبروك مكشوفا عنه الحجاب بحق، وبه شئ لله بحق، فما لنا والبحر الذي رصفُه، أو البومه التي ألبسها نظارة، أو حتى ألبسها في قطار من اياهم؟!.

      بابتسامة خفيفه يعقب المعمم الغامض: عندك حق يا بُني، عندك حق، وبالمناسبة، الشيخ المبروك ينوي أيضاً، والنية لله، أن يفرح البلاد والعباد بالديمقراطية التي يتغنون بها ليل نهار في أوروربا وأمريكا، أتصدق هذا؟!.

     بحروف هامسة راقصة يجيب القاصد الغريب: لا، لا، قل كلام غير هذا يا عم، فوالله، ثم والله، ثم والله، وبعقد الهاء، إن حدث هذا، ستصبح الحياة أخيراً في الكنانة بطعم ولون وعطر الياسمين، والناس سوف تعيش ما بقى لها من أيام تحت شمس ديمقراطية كُنا قد ظننا أنها والعنقاء أو الخل الوفي سواء بسواء!.

       ثم في انفعاله: وماذا بعد يا عم، ماذا بعد، هل هناك شئ آخر؟!.

       يُوسع المعمم الغامض من عينيه المزرورتين المغبشتين، وباستداره بطيئة من رأسه الضخم: لا، لا، يكفي عليك هذا يا بُني، لا تطمع في المزيد، آذان الظهر يقترب، ثم أنني غير مسموح لي بالتكلم معك أكثر!.

      وكمن يريد أن يجري عملية تصفية لكلماته، يعقب القاصد الغريب: لكن، قل لي بالله عليك يا عم.. من أين علمت بأنني عاطل، ولا أملك قوت يومي، رغم حصولي على أفخر الشهادات، لا أفخر الثياب؟!.

     بابتسامة باهته من جانب فمه يجيب المعمم الغامض: وهل الأمر يحتاج إلى فراسة يا بُني؟!. يكفي وجودك معنا كي نستبين!.

      ثم بنصف انتصابة: قم، قم، يا ذكي، كي نتوضأ، ولا تنسى أن تدعو في صلاتك لمولانا  الشيخ المبروك الله يخليه!.

      وقبيل أذان الظهر، يتتالي ولوج المحمولات على الأعناق عرايا أو شبه عرايا، أبكار وغير أبكار، فيتتالى وقع مشاهد الغرابة على الوجوه المشرئبة بأعناقها لباب الغرفة الدوار، المحتشد بالغاديات الرائحات، المائلات المميلات، والمنصرفات تباعاً. وفي إثر ذلك يؤدي الرجال الصلاة جماعة، ثم يعلو النداء المبحوح من الشيخ المبروك الوقور المهيب الأكحل، ذي الجلباب الأبيض والعباءة السوداء ذات الأكمام الطويلة الموشاة بالقصب والديباج ودوائر السبح الملونة وكفوف خمسة وخميسة وحبات الخرز الأزرق والأحمر الكهرمان، ويتبع النداء في الحال طاعة الرجال لأمر التحولق على البساط الأحمر المواجه لركن الشيخ المبروك المصنوع من اللبد الأبيض المبطن بالحرير الموشى. على مدخله من جهة مائدة ضمت إلى اللحم المجفف واللبن في أوعيته صنوفاً من الفاكهة، ومن جهة أخرى. منصة عالية عليها البُسط والوسائد، قد هيئت لجلوس الشيخ المبروك الذي ما إن ينعقد له المجلس وسط حلقات دخان أعواد البخور الحبشي، وفواح عطور البرابرة من الشند والقرنفل.. بإشارة من قبضة يده المخلبية، يتمطي المُعمم الغامض برداءه الأزرق المهندَم، شاربه الأسود الكث، لحيته الطويلة الهيش. زاحفاً من أول الرصة. وبنصف انتصابة كلبية وعينين حمراوتين، ينقض الشيخ المبروك بكرباجه المجدول الغطيس، يطبق علي مفاصل أنامل المُعمم الغامض المتأوه بالتواءة التسليم، نافثاً في وجهه الممتعض الممصوص حمم تمتماته الماجنة، أسئلته الفجة العابثة بالغمز واللمز وعُهر اللفتات الموحية: حامل في كم شهر يا بنت؟!.

       ينفجر المُعمَّم الغامض في عويل مُفجع، يرتمي على البساط، يخبط رأسه في الأرض، يرتعد فاقداً الوعي، يتلوى كأنة في قبضة جلاد يسوطه ويعذبة، ثم يزعق بصوت مخنث مخنوق: آاااه، الرحمه يا شيخنا المبروك!.

       ثم بوشوشة ناعمه تسنطيل لها الأعناق: لماذا يا سيد الناس (هه)؟!. أنا إمرأة، لا بنت!.

      يقول الشيخ المبروك بغلظة: إذن أجيبي يا امرأة، ولا داعي للمراوغة، حامل في كم شهر؟!.

       يجيب المعمم الغامض بهدوء ولين مريبين: والختمه الشريفه حامل في شهرين، هل استرحت؟!.

-وهل الدورة تأتي في الميعاد، أم لا تأتي في الميعاد، أم لا تأتي من أصله؟!.

-إطمئن، والختمه الشريفه تأتي في الميعاد؟!.

-وما هو إسمك؟!.

-إسمي خضره الشريفه!.

      بقهقهة موتورة يقول الشيخ المبروك: ما شاء الله، ما شاء الله، إسم النبي حرصك، وأيضاً خضره الشريفه؟!. وما هي طلباتك يا خضره الشريفه العفيفه؟!.

-الصُّلح!.

-ولم لا؟!, ولم لا؟، الصُلح خير على راي واحدة من أهل المغنى. شئ آخر يا خضره الشريفه؟!. شئ آخر؟!.

-أن تتركني وشأني حتى الولاده!.

-وبعد الولاده؟!.

-ساخرج منه. ولكن بشرط!.

-ما شرطك؟!. أجيبي بسرعه، وإلاااا..

-أن يستحم بدم قرموط حي كل يوم جمعه قبل الصلاه، ويرتدي خاتم ذهب منقوش علية اسمي في بنصر يده اليسرى، ويدهن جسمه كل ليله من  برطمانك المسحور، ولمدة سنه كامله، لا تنقُص يوم!.

      يفغر الشيخ المبروك فاهه عن ابتسامة صفراء يابسة، يجوب ببصره بين الوجوه المدهوشة الباهتة البلهاء، ثم يقول: طلباتك مُجابة يا ست خضره الشريفه العفيفه، شئ آخر؟!.

-عشت يا سُلطان الجن!.

بترديد بعض التمتمات الغامضة في أذن المُعمم الغامض اليسرى، ينفض الشيخ المبروك يده منه، يجول ببصره بين الوجوه المكفهرة الشاخصة بأعناقها، وبلهجة آمره يقول: قم يا ولد، فز، إنتهىَ، إذهب ولا تنسى الدفع، وأخذ برطمانك المسحور، تدهن منه جسدك كل ليله، وتأتيني بعد شهرين لإبلاغك بباقي طلبات ستك خضرة الشريفة العفيفة!.

      يتململ الحضور، تنكسر النظرات، تميل الأعناق، تمتد الأيدي الواجفة فوق البطون، تُرج القاعة بهستيريا همهمات وقهقهات الشيخ المبروك، يصرخ في الوجوه المدهوشة والملامح البلهاء: لا تخشوا شيئاً، لا تخشوا شيئاً، سليمه ان شاء الله!.

ثم يوغل الشيخ المبروك في شفق كابي، وهو يهتف وينظر إلى أحدهم بنظرة حديد كأنها لرسول مؤمن برسالته إلى حد الجنون والبطش: أنت. وإياك إياك أن تبطئ بالقدوم!.


author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent