recent
أخبار ساخنة

مُناجاة بين أبو الهول.. وتمثال نهضة مصر

مُناجاة بين أبو الهول.. وتمثال نهضة مصر


 مُناجاة بين أبو الهول.. وتمثال نهضة مصر


     أىْ بُنىَّ : - أنت جاثم وسط الميدان، ووجهك تِلقاء الجنوب، تستقبل الناس فى ذهابهم وإيابهم بين القاهرة ونواحى القطر، فتُذكرهم بنهضتهم إلى الحرية، وطرحهم نِيرَ  العبودية ، ويرون الفتاة القروية، ويدها على رأسك، توقظك من سُباتك، وتنفض عنك الخمول والكسل، فيدور فى نفوسهم مجد أبائهم السالف، ومُلكهِم العريض، وبأسِّهم الشديد، فيتدافعون إلى العمل، ويتسابقون إلى الجد، ويتواصَون بالمودة بينهم، حتى تطلع من جديد شمس حضارتهم، ويُبْعَثَ قديم مجدهم، وتُرَد بضاعتهم إليهم.

     يا بن القرن العشرين : أنت فى عصر المدنية والنور، حولك البرق والمِسَرة، والكهرباء والبخار، وأمام عينك السيارة تطوى الغبراء، وفوق رأسك الطيارة تسبح فى السماء، وزئيرها وأزيزها  يرتلان فى أذنك آية الرُقىَّ الفكرى، وشهادة النضوج العقلى، مُسْتَمَدُّ الراحة، ومهاد الخفض والهناءة، فعلىَ بنيك أن يثبوا إلى الرُقى وثوباً، ويردوا مناهِل العلم، ويأخذوا بناصية الصِّناعة، فإن الطريق مُمَهَّد، وسبيل الوصول لذلك مُعَبَد، عفا الله عنهم، لِمَ تَرحَّلَت الحضارة عنهم، ولم تنبُت المدنية الجديدة فى واديهم ؟ وقد كانوا والرقى غُصنَىْ دوحة، وسليلَىْ  أبوَّة. فذكرهم بعقوقهم، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويقلعوا عن غيهم، فليس من الكرامة أن تُغَشِّيَهُم ظلمة الجهل والعماية، وقد إطلع جدودهم فجر العلم والهداية.

     وانظر كم ترانى آية الجلال، ومبعث الإعجاب، ومثال الإبداع. وقد طالت علىّ العصور، وتقادمت الدهور، ولازلت فى عنفوان الحياة، وريعان الشباب، وجبروت الآلهة. لم تنل منى عوادى الزمان إلا خدشا، ولم تتناول قذائف الصحراء إلا أنفاً.

     وهذه الشمس : لا تحصى تحتها من عَمروا وسادوا، ثم إرتحلوا وبادوا، فكم من ملوك طاولوا إله العالمي،وقياصرة عَثَوْا فى الأرض مفسدين، قضوا نحبهم وعفَّت آثارهم  وطمست معالمهم، وهى كما تراها

،عروسة مجلوة، ضوؤها يسطع فى الأرض، وقرنها يتلألأ فى السماء، ولكنها لم تستطع أن تطمئن من عظمتى، أو تَغُضَّ  من فوقى، وقد أبت أن تشرق إلا على وجهى، وتغرب إلا من خلفى، تمجيدا لقدرى، وإذعانا لأمرى، فكأَين  من شعوب سجدت تحت قدمىَّ، وتضرعت ملوك بين يدىَّ، يستمدون القوة

والرأى منى، ويستنبئون المغيب المحجوب من أمرهم عنى.

     أى بُنَىّ : بعدت الشُّقَّة بينى وبين بُناة الهرم، وطال إنتظارى لأبنائى أساتذة الأمم، فكأنهم رُفعوا للسماء، أو قَضَوْا وما أعقبوا الأبناء. فأين بنوا التحنيط والطب والحفر ؟!

     وأين السيوف الوضاءة، والجيوش الجرارة، التى كانت تمر بى، فأشيعها بالحزم والعزم، وأزودها بالثبات والصبر ؟ أين هوج الصحراء، تنقل إلى أذنى وقع صّوْلاتهم، وصليل سيوفهم، وضجيج هجومهم، وأناشيد انتصاراتهم ؟! هاهما ذان : شبحا تُحتمس ورمسيس الثانى، ماثلان أمامى، تُجبَىَ لأولادهما الأتاوة من دجلة، ويخضع لثانيهما ملوك سورية و( قادش ). فهل تبدلت الأرض غير الأرض، والناس غير الناس ؟ ومالى أرىَ أبناء لفراعين.. أذلاء مساكين ؟ كلُُّ راكب رأسه، وشيعة نفسه، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتىَ. فهيا احفزوا هممكم، وهُبُّوا طال نومكم، ووحِّدُوا قواكم، وألِّفُوا بين قلوبكم، واستعيدوا مجدكم، فى ظلال دستوركم، وتحت لواء مليككم، فإنه نزَّاع إلى الحرية، توّاق إلى التجديد والمدنية، تسودوا بواديكم، وتعيدوا سالف ماضيكم. 

  
author-img
بقلم: عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent