recent
أخبار ساخنة

رمش عين الحبيبه يفرش على فدان

 


قبل بدء زمن أفران الدم بسنين عديدة لا يدرك أبي في تلك اللحظة البعيدة المحتومة أن الأرض تتآلم حين تشقها النبتة، وأن أمي التي يتقلص جبينها فيتمزق قلبه تنغرس آهاتها فى أعماقه. وهو وهى والليل الطويل وعقارب الساعة تزحف ببطء قاتل ماذا يفعل؟!. وهل تستطيع أمي الإنتظار حتى الصباح؟!. كل أسراب النمل تسري في دمه وخوف أبي على أمي وعلى ما في بطنها يدفعه لانتعال مداسه والفط
 كسمكة إلى الزقاق الملتوى مثل أمعاء ميت، يسير كأنه يجرى، يجرى كأنه يطير. يملأ الأفق الشرقي. يشُق العتمة التي تحيط بالأرض. يتطلع إلى المدى. تقابله النسمات الباردة. نباح الكلاب. مواء القطط. عواء الذئاب. نقيق الضفادع. قأقأة الدجاج. خوار الأبقار. صهيل الأفراس. هسيس الصراصير والجنادب التي تجوس خلال أعشاب البرك والمستنقعات والمساقي، والقمر يُلقي بنوره الكابي على الدور الطينية. الساحة. الأجران. الأحواش. الأحراش. الأزقة التي تمُر به فلا يراها، والنجوم التي تشفق عليه وتتغامز فيما بينها وترسل ومضاتها من حين لحين فلا يُبالي بها، ومخلوقات النار من الجن والعفاريت والشياطين والنداهات التي تتراقص هنا وهناك، والأعيُن الملتمعة بالشر فلا يخشاها، وظله الرمادي الطويل الذي يرتمي خلفه ويتبعه بأنفاس لاهثة ملسوعة فلا يتوقف لحظة عن المضي في طريقه الملئ بكل الإحتمالات. وعلى المدق الترابي يبدو القمر وقد تحرر من غلالته الفضية كأنه غادة لعوب، وتبدو مياه الترعة السوداء المصقولة كالمرآة تلعق تحت قدميه حافة المدق الترابي في رفق ولين يعصفان بكيانه وهو يهم بسير جاد لافظاً فكرة طائشة لمعت لثوان: لم لا أعود لأحضر الحمار الحصاوي؟!. لكنه يتذكر بأن الحمار مريض، كما أنه حمار ولا يطير كالحصان. وفي لُجة انهماكه تلك تباغته حشرجة تخرج من فص الحنجرة في وجه خلاء لا بر له ترتطم بأذنيه كصفعة قوية، زعقة من شرايين القلب. من حدقتي العين. من خلاصة سر الكبد. من لوعة المشتاق لأخر الآفاق. من سِنى العُمر. من بئر القلب الدفين. من عذابات وجدٍ قديم: إثبت محلك ولا حركه؟!.  وقد بدا صاحب الصوت كشبح أسطوري يسد مدخل حقل البرتقال المعرَّش بالبوص والغاب وخوص النخيل، بوجه مقدد بارز عظام الترقوتين وجسد باسق ضخم وضوء القمر في ظهره. وهكذا ينحلع قلب أبي رعبَّا وتطير لهفته على نجدة أمي وما تحمله في بطنها شُعاعا ما بين البندقية الطلياني بيد الشبح وبين أزيز صوته المُنكَر والشرر يتطاير من عينيه ألوان، بذات النظرة الراسخة والشارب الكث يهتز فوق فمه وهو يقذف الكلمات كفوهة بركان: قُل من أنت وإلا ضربتَك بالنار؟!.

كأضغاث الأحلام أو يكون هذا الشبح يُداعب وقد استطال فجأة في هيئة مارد. ولكن: لا. لا. إنه غفير الحقل بشحمه ولحمه وغبائه.

لا ينتظر أبي أكثر: أنا الشيخ سعد. سعد الهلالي يا ولَه.

يقترب الغفير متولي راسخاً واثقاً غامضاً: يخرب عقلك يا شيخ سعد. إلى أين في تلك الساعة يا ولَه؟!. وأين حمارك الحصاوي؟!.

     إلى الخاله ماريَّا.. والحمار يا حمار مريض في الدار.

بعد إطراقة قصيرة ينصرف الغفير من أمام أبي وهو يتمتم: الخاله ماريَّا؟!. فهمت. ولاده. طيب. يتربى في عزك يا شيخ سعد، وخُذ بالك من الجنيَّه لتطلع لك يا ولَه، أو تخطفك النداهه. ويتبع ذلك: ورمش عين الحبيبه يفرش على فدان.


من أجواء روايتي "أفران الدم"

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent