recent
أخبار ساخنة

الشجرة الجريحة

 

الشجرة الجريحة

الشجرة الجريحة

 

مرت عند ناصية شارع "الشانزلزيه" بباريس سيارة نقل مسرعة، على جانبيها انتشرت بقع من الوحل الجاف. دارت دورة حادة، لطمت في طريقها شجرة صغيرة، مالت الشجرة واهتزت أوراقها، ثم عادت فاستقامت، إلا أن جرحاً أصاب ساقها الرقيق، صاحت إمرأة شابة كانت تعبر الطريق بعد أن لاحظت ما فعلته سيارة النقل "يا له من سائق متهور".

      وأسرعت تقترب من الشجرة، وتلمس بإصبعها الغشاء الرقيق المائل للخضرة وهى تحس بعصارة دافقة، همس واحد يقف بجوارها "لم يعد لدى هؤلاء الحمقى إلا هذه الطريقة المخبولة لقيادة سياراتهم، بعد أن داسوا القانون وحطموا عظامه".

      يتقدم من قلب الميدان عجوز يرتدي معطفاً، وعند الشجرة يقف جامداً، وفي إثره يقبل شاب يرتدي نظارة طبية ليلقي نظرة على الشجرة، ويهز رأسه في استياء "كان يجب التقاط رقم تلك السيارة الطائشة لمحاسبة سائقها المستهتر".

      يقترب تلميذ يحمل على ظهره حقيبته المدرسية، يلقي بنظرات خاطفة على ساق الشجرة المصاب، ويردد في غيظ "آه لو كان ذلك السائق هنا الآن".

 يهتف العجوز ذو المعطف بصوت مخنوق وهو ينقل بصره بين الشجرة والناس والطريق "أمعقول أن هناك أناس يسوقون بهذه الطريقة المعتوهة، الم يك من المستحسن أن يزرع هذا المخبول شجرة بدلاً من أن يسحق في طريقه تلك الشجرة الرقيقة؟".

      يتوقف بعض المشاة حول الشجرة، ثم يواصلون طريقهم في تأثر، وتبقى المرأة والرجل العجوز يتحدثان عن غرائب ما يحدث في أخر الزمن.

      يتقدم رجل على مهل وفي تجهم وسط صخب الزحام وهدير السيارات، وقد تناثرت على جبهته قطرات عرق ظل يزيلها بمنديله حتى عبر الطريق وتوقف عند الجمع الملتف حول الشجرة الجريحة، يلتقط أنفاسه، يمد يده المهتزة إلى الشجرة، يضغط على جزء الغشاء الممزق وهو يحاول تثبيت الجذع بمنديله المبلل. يهتف العجوز في سعادة "جميل ما تفعله يا أخي، ورائع أن هناك على الأقل شخص واحد يتقدم بمحاولة، يبادر بحل".

يمد العجوز يده المعروقة، يلمس في اضطراب الأوراق الخضراء الشاحبة وهو يتمتم "لنشكر هذا الرجل الواعي الطيب الذي يهتم بآلام الشجرة ويعالج جرحها".

يهمس الرجل وقد احمر وجهه وتقلصت ملامحه "ليس هناك أيها الناس ما يمكن أن أشكر عليه.

-كيف وأنت؟..

-إنني في الحقيقة السائق الذي أصاب هذه الشجرة.

-ماذا تقول؟.

يتابعه العجوز بنظرات واهنة، ومشاعر مختلطة، وهو يهمس "ليغفر الله لك أيها الرجل".

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent