recent
أخبار ساخنة

بائع البيض..!

 

 

بائع البيض..!


 

(قصة قصيرة للفتيان من سن 12 – 15)

 

 

      فى العام 1968م؛ كانت إسرائيل فى زهو؛ بأنها ألحقت الهزيمة بالجيش المصرى؛ واحتلت شبه جزيرة سيناء؛ وأقامت الحصون والمواقع المنيعة بطول قناة السويس؛ وداخل الأراضى المصرية التى سيطرت عليها...

      وفى هذا الوقت؛ كان مكتب المخابرات المصري؛ فى شغل لا ينقطع؛ لجمع المزيد من المعلومات عن العدو؛ وعدد قواته؛ ونوعية الأسلحة التى يمتلكها؛ وطبيعة معيشة جنوده؛ والحراسات الليلية؛ وطبيعة حصونهم...

      وكان (مروان) فتى فى الرابعة عشر من عمره؛ يساعد أبيه (فى جو الصحراء المحرقة) على رعى الأغنام؛ وتربية الدجاج؛ محاولاً الإحتماء بظل الكوخ الصغير الذى يقطنه والده وأمه، وذلك بالقرب من بئر قليل المياه داخل سيناء...

       كان (مروان)  يداعب طفولته مع الأغنام والدجاج؛ ويتأمل الفضاء الواسع؛ بخياله المتطلع إلى السماء، وفى ظلمات الليل الدامس؛ والرياح الشديدة؛ يصل ضابط مخابرات مصرى إلى سيناء، وكان متنكرا فى زى تاجر أعرابى...

      يتحدى الضابط صعوبات الصحراء؛ حتى يصل إلى بئر المياه؛ الذى يأخذ منه جرعات متتالية منه؛ فيشاهده والد (مروان)؛ وكعادة البدو؛ يضايفه فى كوخه الصغير؛ ويدور حوار بين الضابط المتنكر ووالد (مروان) ينتهى بتكوين صداقة...

      أراد الضابط تجنيد الأب؛ ولكن فضل الإنتظار؛ حتى يتعود الأب عليه؛ بعد أن أقنعه بأنه بانتظار وصول شحنته التجارية...

      وفى اليوم التالى؛ يترك الضابط مجلس الأب؛ ويأخذ يتجول حول الكوخ؛ يتأمل السماء، حتى يصل إلى (مروان)؛ وأثناء ذلك؛ يخطر ببال الضابط أغرب فكرة؛ وهى تجنيد الإبن بدلاً من الأب؛ وتعليمه وتلقينه دروسا فى التخابر؛ وكيفية الحصول على المعلومات من العدو...

      يأخذ الضابط يدرس هذه الفكرة مع نفسه؛ خاصة أنه من الصعوبة الشك فى طفل؛ كما أن الطفل نفسه يحمل روحا وطنية؛ وهذا ما لاحظه الضابط؛ الذى ظل أياماً ينفرد بـ(مروان)؛ بحذر شديد؛ حتى لا يشك به أحد؛ وفى النهاية؛ يستطيع الضابط تجنيده...

      وعندما يطمئن الضابط إلى (مروان)؛ وإلى قدرته على استيعاب ما طلبه منه؛ وقدرته على تحمل المهمة الصعبة؛ يقرر الإجتماع مع والده على مائدة الطعام؛ وشكره على استضافته؛ ثم يطلب الرحيل؛ لتأخر قافلته التجارية؛ وعندما يذهب لمصافحة (مروان) يتفقا سوياً على اللقاء عند صخرة بالقرب من الشاطئ...

      كان اللقاء الأول عند الصخرة لقاءاً غامضاً؛ فقد تأخر (مروان) عن الموعد؛ واعتقد الضابط أن جهده قد ضاع؛ ولكن من وقت لآخر كانت الأمال لا تفارقه فى الحصول على أسرار مواقع العدو؛ كانت الثوانى تمُر؛ كأنها سنوات مُملة؛ حتى ظهر من بعيد جسد نحيف؛ لقد كان (مروان) الذى جاء يبرر تأخيره؛ بأنه اختار الوقت المناسب؛ حتى لا يلمحه أحد...

      كان (مروان) يعرف أن مهمته صعبة؛ ودوره خطير؛ وأن حياته معلقة على أستار أى خطأ...

      يتلقى (مروان) بعض التعليمات والإرشادات؛ التى تجعله فى مأمن؛ ويذهب ليترك الضابط وحيداً، شارد الُّلب؛ يفكر فى وسيلة تسمح لـ(مروان) بأن يتجول فى مواقع الإسرائيليين بحُرية كاملة؛ حتى جاء اليوم التالى لموعد اللقاء و(مروان) يحمل معه بعض البيض من إنتاج الدجاج الذى يقوم بتربيته؛ وما إن شاهده الضابط حتى صاح: وجدتها...

(مروان) بعفوية: ماذا؟

-نعم وجدتها؛ إنها الدجاجة التى ستمكنك من الدخول إلى مواقع العدو بدون مُعاناة؛ أو شك فيك.. إنها الدجاجة مفتاح السر...

      لم يع (مروان) شيئاً؛ واندهش لصراخ الضابط؛ الذى كان دائماً هادئاً؛ وجلسا على قبة الصخرة، ليشرح الضابط الفكرة التى ستكون الوسيلة لدخوله مواقع العدو؛ والحصول على المعلومات، بدون صعوبة؛ أو شك فى سلوكه...

    تركزت الفكرة فى قيام (مروان) ببيع البيض داخل المواقع للجنود الإسرائيليين. وبالفعل؛ تتم الفكرة بنجاح؛ ويبدأ (مروان) يحقق صداقات داخل المواقع؛ ومع الجنود؛ لقد كان صديقا مهذباً؛ وبائعاً فى نفس الوقت؛ وكان يبيع ثلاث بيضات مقابل علبة من اللحوم المحفوظة؛ أو المربى؛ وداومت المخابرات المصرية على الإتصال به؛ وتزويده بما يحتاج من البيض؛ لزيارة أكبر عدد من المواقع، حتى يمكن جمع المعلومات منها... وبعد شهر تقريباً؛ تبدأ مهمة (مروان) فى جمع المعلومات بطريقة تلقائية؛ من خلال المشاهدة والملاحظة؛ وبعد أشهر معدودة؛ ينجح (مروان) فى جذب عدداً من الجنود لصداقته؛ فكان يجمع المعلومات بطريقته البريئة؛ من خلال الحديث معهم؛ وكان فى كل مرة؛ يحمل مجموعة قليلة من البيض؛ يبعها؛ ثم يعود إلى منزله؛ يحمل مجموعة أخرى إلى موقع آخر؛ وهكذا؛ حتى تعود علي المكان؛ وتعود عليه الجنود؛ حتى أنهم كانوا يهللون فرحاً حينما يظهر... ومع مرور الأيام؛ تتكون الصداقات؛ ويستطيع (مروان) التجول بحرية شديدة داخل مواقع العدو، بدون حتى أن يحمل معه البيض...

      كان (مروان) يتعامل بتلقائية بالغة؛ وبذكاء مرتفع؛ ولم تكن أبداً ملامحه تظهر هذا الذكاء، وظل يداعب الجنود؛ ويمرح؛ ويمارس الألعاب معهم؛ يستمع لما يقولون؛ وكأنه لا يفهم شيئاً؛ وما إن يصل إلى الضابط؛ حتى يروى له بالتفاصيل ما سمعه من جنود العدو، وما شاهده فى المواقع بدون ملل... وبعد أربعة أشهر؛ يبدأ حصاد بائع البيض يظهر فى صورة معلومات قيمة؛ لقد استطاع أن يقدم للمخابرات المصرية ما تعجز عنه الوسائل المتقدمة؛ وتكنولوجيا التجسس وقتذاك... فقد نجح فى التعرف على الثغرات فى حقول الألغام لأربعة مواقع مهمة؛ بها المدافع الثقيلة؛ بالإضافة إلى مولدات الكهرباء؛ ووضع خزانات المياه؛ وبيان تفصيلى عن الأسلاك الشائكة. وكان يستطيع رسمها بدقة؛ ومع تعليمات الضابط إستطاع التمييز بين أنواع الأسلحة... وهكذا؛ ظل (مروان) يسرد للمخابرات ما يحدث داخل مواقع العدو من كبيرة وصغيرة؛ مع توفير أكبر قدر من الأمان والرعاية له؛ فقد كان يتعرض أثناء إحتكاكه بجنود العدو للمضايقات؛ والشتائم، وأحيانا الضرب من بعضهم؛ لكن دون شك فيه؛ وكان الضابط يخفف عنه الآلام؛ ويبث فيه روح الصبر والبطولة؛ حتى جاء شهر سبتمبر 1973م؛ قبل حرب تحرير سيناء بشهر واحد؛ حيث قام الضابط بتزويده بقطع معدنية صغيرة؛ وتم تدريبه على كيفية وضعها فى غرف قادة مواقع العدو التى يتردد عليها؛ وطريقة لصقها؛ من الوجه المعدنى الممغنط؛ فى الأجزاء الحديدية المختلفة؛ كقوائم الآسرة؛ وأسقف الدواليب الحديدية...

      كانت هذه العملية مملوءة بالمخاطر والمحاذير؛ وكان هناك تردد من قيام (مروان) بها؛ حتى لا يتعرض للمخاطرة؛ ولكنه رغب فى ذلك؛ وذهب وترك الضابط فى قلق شديد...

      كانت تراود الضابط الظنون التى لا تنقطع؛ ظل ناظراً إلى السماء؛ لا يستطيع الجلوس فى مكان، حتى قاربت الشمس على المغيب؛ فزاد القلق؛ والحيرة؛ والتساؤل: هل تم القبض على (مروان)؟؛ لابد أنه يذوق ألوان العذاب الآن؛ إذاً؛ ما العمل؟؛ وكيف الخلاص إذا تم اكتشافه؟؛ كيف يمكن تخليصه من العدو؟!... ووسط هذه التساؤلات؛ يظهر (مروان)؛ ليغمر وجه الضابط فرحة؛ لا يمكن تصورها؛ لقد عاد بائع البيض الصغير بكامل صحته؛ حاملاً لعلامة النصر؛ واستطاع إنجاز أصعب عملية فى حياته؛ ليسجل التاريخ إسمه...

      لقد مكنت العملية الأخيرة التى قام بها (مروان) بإقتدار؛ المخابرات المصرية من الإستماع (من خلال هذه القطع المعدنية التى بداخلها جهاز إرسال دقيق) إلى كل ما يدور داخل حُجرات قيادة العدو؛ من أحاديث وأوامر؛ مما مكن المصريون من التعامل مباشرة أثناء المعركة مع هذه المواقع؛ بتوجيه إنزارات لها بالإستسلام...

      كل هذا؛ ولم يكشف الضابط (فى زيه الأعرابى) عن شخصيته الحقيقية لـ(مروان)؛ وقبيل الحرب (بعشرين يوما) تصدر الأوامر من المخابرات المصرية بنقل (مروان) وأسرته إلى القاهرة؛ ولم يكُن الأمر سهلا؛ فقد نقل (وعائلته) من الصحراء إلى القناة؛ وتم عبورهم للقناة، وبعد أيام من نصر أكتوبر المجيد عام 1973م؛ يدرك (مروان) مدى أهمية ما قام به من أعمال خارقة، ساهمت فى الإنتصار؛ ويدخل (مروان) مبنى المخابرات المصرية؛ فيجد التاجر الأعرابى مرتديا زي أهل الحضر؛ لتملأ الدهشة وجهه؛ وبعد ذلك؛ تقوم الدولة برعايته فى التعليم، ويدور الزمان؛ ليجلس (مروان) فى مكان الضابط؛ على مقعده؛ وفى غرفته؛ ضابطاً من ضباط المخابرات العامة المصرية!!!!.

****

 

من مجموعتي القصصية للفتيان (كنز القرية)

 

إنتهت

author-img
عزت عبد العزيز حجازي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent