recent
أخبار ساخنة

القطة "باسيت" ومعبد خوفو العظيم

 

أتمدد تحت غطائي، يكف المطر عن الهطول، فأنهض من جديد، وفي الخارج، شروق الشمس هادئ.

أجلس فوق الدكة الخشبية وقد امتصت بلل المطر.

يأت جرجس بالخلية الشمسية، يقردها على سطح التبة لشحن بطارية اللاسلكي.

يدخل جرجس بعد أن يوصيني بمتابعة الخلية.

ألمح لصق جدار المطبخ ذات القطة، تحملق بي، وكأنها تراني للمرة الأولى، تجلس مبلولة، تنفض عنها المطر، تلم ذيلها الأسود حولها، مرفوعة الرأس، خضراء العينان، تتأملني وذراعاها قائمان أمامها مثل عامودان من جرانيت داكن، قابعان قبالة باب معبد بوذي قديم، صدرها وحده هو الأبيض، وجزء من بطنها، وكأن المعبد مُضاءاً من الداخل.

القطة وقورة، قوية، جادة، متكبرة، مستعدة لتلقي فروض العبادة في أي وقت يختاره العباد.

تذكرني القطة بخوفو العظيم الذي كاد أن يفلِس وسط فراعنة المقاولين، بناة الهرم الأكبر، فقال له الكهنة: إن أحداً لن ينقذك من ورطتك غير القطة باسيت المعبودة في شرق الدلتا، فيأمُر خوفو ببناء معبد كبير يُقام لها هناك، وفيه تُقدم أطايب القرابين من فئران سمينة وعصافير، وحيث أن خوفو قد أقيل من عثرته وأكمل بناء الهرم، فقد رحت أفكر: أليس من الممكن أن تكون الخبيثة باسيت باتعة سر حقاً، وتستطيع أن تنتشلني بقوة سحرها إلى مكان آخر يخلو من موجبات الخطر، مقدمات الهلاك؟.

أترك  باسيت تنظر في عيني بقوة، ومن أعماق عينيها الخضراوين، القاسيتين، لكني ألمح الشر واضحاً هناك، لا يمكنها أن تداريه، هى حاقدة ولا شك على أهل هذا الزمان، الذين حولوها من إلهة تُقدم لها القرابين وفروض الطاعة إلى مجرد حيوان سيرك وضيع، يُلقي إليه بفتات موائد الأسياد. أكاد اسمعها تقول: إسمع أيها الجندي، أنا أكرهك، وسيأت يوم أعود فيه لمجدي المفقود، وساعتها ستعرف معنى الأخد بالثأر، فجأة، من خلف  باسيت، يقبل  قِط غريب، مُبلول هو الآخر، ينفض عن جسده الماء، يتسحب، ولابد أنه واحداً من أحفاد أحفادها، قط رمادي، باهت، مستطيل، ممطوط، كأنه فردة شراب، حشاها أخي الفرقع لوز الشعنون بالقطن.

يقترب القط شيئاً فشيئاً من  باسيت، تنتبه على أنفاسه الحارة، تستدير نحوه، تلطشُه  قلمَاًً يهِد نمراً، فينطلق القط بغير نظام، ولا وقار، مثلما يحدُث أحياناً في لحظة عِفة زائدة عند أنثى شرسة في أتوبيس مُزدحم.

تبتعد  باسيت في حالة تأفف، قرفانة من هذا المجتمع الذي لا يتيح للأنثى العفيفة، الشريفة، الأمن الكافي على شرفها. وفي غمرة تأملي، تختفي باسيت، فص ملح وذاب.


من أجواء روايتي "نقطه 14 مراقبة"

أبتسم، أنهض، ألم الخلية الشمسية مع البطارية، أستدير بخمول إلى غرفة الإشارة، أضع البطارية في مكانها، 
author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent