recent
أخبار ساخنة

مُناظرة بين السمع والبصر

 

مُناظرة بين السمع والبصر

مُناظرة بين السمع والبصر



     البصر : - أنا ملك الحواس وأمير الجوارح، بى يجتلى الإنسان جمال الكائنات، وينظر فى ملكوت الأرض والسماوات، ويشاهد معجزات العلم، وبدائع الفن ومدهشات المدنية، ودائق الصناعة. فلا عجب إذ كنت طريق المعلومات إلى النفس، بما ألتقط من صور المرئيات التى لا تدخل تحت حصر، فيتغذى الخيال، ويقوى الفكر وينمو الإدراك، وبى يُعرف الحسن من القبيح، ويميَّز بين الغث  والسمين. وعلىّ يعتمد فى إتقاء الضرر، وتنكب  الخطر، ومدافعة العداة، وسلوك مسالك النجاة، ودراسة الكتب، وركوب متن الأسفار.

     السمع : ×- لقد كنت أولى منك بالمباهاة، لولا أنى أوثر التواضع، - ومن تواضع لله رفعه – وإلا فمن ينكر علىّ أنى بريد الأخبار، إلى الأفكار، ومهبط الأفهام، على الأحلام . ألست الذى أتلقَّف  الأصوات، وأعى المسائل وأحفظ الكلام ؟ وبى يتّسق عقد المحاورات، وينتظم شمل المناقشات، ويتمهّد سبيل التعارف والتآلف، ويتأتَّى تلقِّى العلوم والأداب، وإن جميع المخاطبات التى تتضطرب بها أعصاب المسرة، أنا قطب رحاها، ولَحمتها  وسَداها. وقد دلت التجارب على أن فقدك أيها البصر، ربما كان نعمة على الإنسان، فى كثير من الأحيان، إذ يعظم به عقله، ويقوى حسّه، ويحدّ ذكاؤه، وتستيقظ فطنته، فيأتى فى تعرف الأشياء، وصحة الحكم عليها بالعجب العجاب. وأظنك لا تجهل أن بشّار بن برد، كان زعيم الشعراء فى عصره، والمعّرِّى كان حكيم دهره، ولم يمنع العمى كثيراً من القدامى والمحدثين، أن يكونوا علماء أجلاَّء، وأدباء فحولا، وخطباء بارعين، ولكن أتحداك أن تذكر لى فرداً واحداً، فقد سمعه ثم أُثر عنه ما يدل على حِذْق وذكاء، وفطنة ودهاء،، بل الثابت المحقق أن فقد السمع يعطل حاسة النطق. لأنهما إلفان متآلفان، فيصبح الإنسان كالجماد، ولا ينفعه بعد هذا أن يكون له عينان يحركهما يمنة وشامة، كما تصنع التماثيل المنصوبة للإعلان والشهرة فى معارض المخازن التجارية، وقد درج  الناس أن يحيطوا مكفوف البصر بالعطف والرعاية، والتِّجِلة والإحترام،ـ أما الأصم فيكون أضحوكة الصبية، وسخرية المحافل، يكلَّم بالحركات، ويخاطب بالإشارات.

     البصر : - هبك صادقاً فيما تقول، ولكن أتنسى أنى زينة الوجه، وعنوان البهاء، وموضع الجمال ؟ أما ترى الأدباء قد خلعوا علىّ من النعوت أحلاها، ومن الأوصاف أبهاها، ولم نعثر على شطر نظمه فيك شاعر، ولا فقرة خصَّك بها ناثر. ألست مقياس الملاحة، ومعيار الحسن، وأول ما يعرضه الناقد ليحكم بالوسامة والدَمامة، وأما أنت فمطروح ظهريًّا لا يؤبه لك، ولا يحفل بك، وهل تنكر أنَّ فقدى يذهب برونق الإنسان، ويجعل رُوَاءه فى خبركان، إن كثيراً من الناس يتمنون أن يسلبوا حياتهم، إذا سُلبوا أبصارهم، إذ لا يقام للعيش وزن، بعد ذهاب تلك النعمة، التى لا يعرف قيمتها إلا الذى فقدها، وما لذة المرء بالبقاء، وهو لا يذوق طعم الهناء، بل هو من نفسه فى سجن مظلم، ووحشة شاملة، أما سمعت قول الضرير الصغير يخاطب   أبويه: -

أبوىَّ اللذَين أوجدتـمانى     أتريدان شقوتى ؟ لن تـريدا

عشتما فى ظلال شمل جميع      أنا وحدى وجدت شملى بديدا

          وإذا كنت قد ولدت فقيدا      ليتنى كنت قد فقدت ولـيداً×

     إنا لنرى الأصم، فإذا هو إنسان فى جميع مظاهره، تام البهاء، حسن الرُّواء، فلا تعرف عاهته إلا إذا خاطبته – وقد تغنى الإشارة عن العبارة – وأظهر العلم الحديث، أن تعليمه من أسهل الأشياء. ×

     وقد فتحت للصم المدارس، فأصبحوا كالسامعين سواء بسواء. فأنت ترى يا عزيزى أن فقدك خطب يسير، أما فقد الجوهرتين الكريمتين، كما الحكماء العارفون لقبهما فمصيبة لا تَعْدِ لها مصيبة، وبلاء لا يشبهه بلاء، لذلك رخّصت الشرائع للعُمْى ما لم ترخص لغيرهم، ورفعت عنهم كثيراً مما كلفت به سواهم ووعدوا بالصبر على ذلك، أجراً كريماً وثواباً عظيما.

     السمع : - لا تزال تنظر إلى نفسك بمنظار معظم وقد أنستك الأثرة  شركاءك فيما تدعيه من الحسن، فإن العرب كما نعتوك بالحلاوة، وسَمُوا الأنف بالجمال، والفم بالملاحة، ولا تنكر أنى أُشْبه سلطان الرياحين، وهو الورد أما قرأت : -

الأذن كالوردة مفتوحة     فلا تُمرّن عليها الخنا 

     ولعلك تسلم أنى من مواضع الزينة، التى لا يجهل خطرها، ولا ينكر محلها، وحسبى أنى متعلق الشنف والقرط، وهما زينة المرأة من المهد إلى اللحد، وفى الحق أن تشويه الخلقة ليس بمقصور عليك، فذهاب أى عضو من الأعضاء ولو كان السن أو الظفر، يذهب ببعض الحسن. وقد يمكن الإستعاضة عنك بأحداق من الزجاج، تشبهك تمام الشبه، ولكن أى قبح يعرو الإنسان إذا صُلِمَتأذناه. بقى ما تزعمه من أن الحياة لا تطيب بدونك، وهو ما تكذبه المشاهدة والعيان، فالعُمْى كالمبصرين، فى التمتع بلذات العيش، ومباهج الدنيا، بل ربما كانوا أنعم حالا، وأهدأ بالا، فقد أمنوا النظر إلى المشاهد المؤلمة، التى تستدر العيون وتُدمى القلوب، واُوصد دونهم أعظم باب تنفذ منه الفتنة والغواية إلى النفوس فتفسدها، والقلوب فتمرضها، وإن فى لذة المحادثة، وأنس المفاكهة، ونغمات الموسيقى، وألحان القيان، وأفانين النعيم، وضُروب الرفاهية، لمتسع للسرور والإنشراح، فلم تبق إلا رؤية الأشياء، وفى وصفها ما يغنى عن مشاهدتها. فالآن تبين لك أن فاقدك لا يحرم إلا قليلا من النعم، يُعتاض عنه بغيره، وأما من وَقِر  سمعه، فقد حرم أخص صفات الإنسان، وأصبح لولا الحس والحركة قطعة من صوّان وبات هدفا لطوارق الحدثان، فكثيرا ما دهمته السيارات والعجلات، وصدمته القطر الحديدية والكهرباوية، وأرداه الحراس بقذائفهم إذا برز فى جنح الظلام.

     البصر :× - الآن عرفت يا صديقى مبلغ نفعك ومقدار فائدتك، فأشكرك إذ وفتنى على ما أجهله، وأذهبت عنى الغرور ( والحقيقة بنت البحث )

     السمع : - بل أنا أشكرك على رجوعك للحق

( والرجوع للحق فضيلة ) وهى خَلّة نادرة فى هذا الزمان.


author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent