recent
أخبار ساخنة

في مملكة بلقيس..! (20)

 

في مملكة بلقيس..!

في مملكة بلقيس..!

 

 

      بعد أن طاف "مسعود"  و"كريم" بعدة شوارع في مدينة الحديدة، وقعت أعينهما على بناء ذي طبقتين، من الطراز العُثماني، مكتوب على بعض جوانبه، مطعم بلقيس، فهتف "كريم" ب"مسعود" فرحاً: هذا مطعم يمني ، فهيا ندخل، لنأكل، فقد زقزقت عصاقير بطني من شدة الجوع!.

      وكان ذلك المطعم يشغل حجرتين متقابلتين لا غير من ذلك البناء، ولكن صاحبه كتب إسمه على البناء كله، ليوهم من يقرؤه من المارين في الشارع أنه مطعم فخم، ضخم، يشغل بناء ذا طبقتين، ولم يكُ صاحبه يمنياً كما ظن "كريم"، بل كان سورياً من أهل دمشق، هاجر إلى اليمن منذ سنين بعيدة، فطابت له فيها الإقامة، واتخذها وطناً ثانياً، وكان الرجُل يجيد طهي الأطعمة العربية على اختلاف أنواعها، بين سورية ويمنية ومصرية ومغربية ولبنانية، وكان إلى ذلك نظيفاً، ظريفاً، يخلص الخدمة لعملائه على عادة السوريين في كل مكان، فاشتهر واغتنى، وكثر رواد مطعمه من أهل المدينة والغرباء، ولكن المطعم برغم ذلك ظل كما كان في أول عهده، حجرتين اثنتين، لا ثالثة لهما، فانتحى "مسعود"  و"كريم" جانباً منه، وجلسا يأكلان ما قدم لهما الرجُل من فنون طهيِّه، ولم يكُ بالمطعم وقتئذ عيرهما من الرواد، فطاب لهما المقام، واسترسلا في حديث طويل عن مملكة بلقيس القديمة، فقال "مسعود" : لقد كانت بلقيس ملكة عظيمة، تحكم هذه البلاد العظيمة، وكان ذلك في عهد النبي سليمان، عليه السلام، وقد عرفت يا "كريم"، في بعض ما قرأت من القصص الدينية، أن النبي سُليمان كان يخضع له الإنس والجن والطير، وحدث ذات يوم أن سأل سُليمان عن الهدهد، فلم يجده، فغضب غضباً شديداً، وعزم على ذبح الهدهد حين يحضر، عقاباً له على الغياب بلا إذن، فلما حضر الهدهد، سأله سُليمان عن سبب غيابه، فقال له: لقد اكتشفت يا مولاي بلاداً بعيدة، تحكمها إمرأة، لها مُلك عظيم!.

      فعجب سُليمان لذلك، وأخذ يسأله عن أحوال تلك البلاد، وحال ملكتها، حتى عرف كل شىء عنها، ثم عزم على غزو تلك البلاد، فكتب إلى ملكتها كتاباً يأمرها فيه بالسمع والطاعة له، وإلا دخل مملكتها وخربها، فلما جاءها كتابه، دعت زعماء المملكة تستشيرهم،.

      قال "كريم": عجباً!. أكان الملوك في ذلك الزمن القديم يستشيرون شعوبهم ؟.

      ضحك "مسعود"  وقال: نعم يا "كريم"، كان نظام الشورى، الذي نسميه الآن النظام الديمقراطي، معروفاً في الشرق، قبل أن تعرفه أوروبا بمئات من السنين!.

      ثم استرسل "مسعود"  وقال: وكانت الملكة بلقيس تكره الحرب، وتحب السلام، فخافت على بلادها من جيوش النبي سُليمان، وردت عليه رداً رقيقاً، وأرسلت له مع الرد هدية،.

      قال "كريم": حقاً، لقد كانت ملكة عظيمة، بارعة السياسة !.

      قال "مسعود" : صبراً يا "كريم"، حتى تعرف نهاية القصة، فقد انتهت بزواج بلقيس بسليمان، واتحدت المملكتان والملكان،

      قال "مسعود"  هذا، ثم نظر في ساعة يده، وهب واقفاً وهو يقول: لقد قضينا وقتاً طويلاً في هذا المكان يا "كريم"، فهيا لنستأنف رحلتنا فوق جبال اليمن، لأريك ما بقى من مملكة بلقيس العظيمة، والسد الذي بنته بين الجبال، لتحبس ماء السيل، فتروي به الزروع والبساتين، ولا تتركه يتبدد في الصحراء!.

      واستأنف "مسعود"  و"كريم" رحلتهما فوق جبال اليمن، فشاهدا من الجو مدينة صنعاء، العاصمة العريقة، ومدينة تعز، العاصمة الحديثة، وميدان التغيير، ومرا فوق آثار السد العجيب، وتمتعا بما لم يتمتع به سائح قبلهما من مناظر هذه البلاد الجميلة، وفجأة صاح "كريم": أدركني ، فإني أشعر بخلل في طائرتي، وأخشى أن تسقط بي بين شعاب الجبال!.

 

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent