recent
أخبار ساخنة

منطاد يفتخر على نسر

 

منطاد يفتخر على نسر

منطاد يفتخر على نسر


      أيها النسر : أرأيت كيف ثللت  عرشك، وانتزعت تاجك وصولجانك ، فأصبحت مسيطراً دونك على دولة الطير، منفردا بمملكة الهواء. فرحم الله زماناً كنت فيه أمير الأجواء غير منازع، وزعيم ذوات الأجنحة غير مدافَع، صاحب الحول  والطول، والقوة والبأس، والنفوذ والجاه تأمر الطيور بأمرك، وتنزل على حكمك، وتتسابق إلى نيل رضاك ومودتك. فإذا حلَّقت فى الجو خفقت  القلوب روعة ورهبة لخفوق جناحيك، وحبست العيون عظمة وجلالا نظراتها عليك، وغدا لك الأفق الفسيح مَرادا ومسرحا، تهيم فيه كما تشاء، ما إن يشّقُّ لك غبار، أو يباريك ذو مخلب ومنار، ولكن أنظر كيف تبدلت الحال غير الحال: فإذا من الحديد طائر جبار، ينزع منك مقاليد السلطان ويسحب عليك ذيل النسيان. طائر لا يحكيه بساط سليمان، ولا تشبهه الأنسر والعقبان، إذا رأيته يصَّعد فى السماء، ويحوم فى الفضاء، فتطوى له الآفاق، وتتطامن السبع الطباق، رأيت قطعة من غمام، أو العنقاء  كما تصورها الأوهام، جسم مفرط الطول والضخامة، يملأ النفوس خشية وخشوعا، ومنظر رائع، يوحى إلى القلوب شعورا بعظمة الفن وجلاله ودقة الصنع وجماله، ورجاحة العقل وكماله. قد كسبت بطبقة لامعة تشبه الفضة فى صفائها ولألائها، إذا أجرت عليها الشمس لقيتها، أبصرت نجوما تتألق، وجداول تتدفق، وشررا يتطاير، ولآلىء تتناثر، وترانى – وقد روّق الليل البهيم فسبحت فى لجته السوداء، كما يسبح الحوت فى القاموس  المحيط – كوكبا هبط من فلكه، فاتخذ له من الأفق الأرضى مدارا، أو مدينة طائرة، أنفت  أن تتخذ الأرض قرارا، أو سفينه تسبح من الهواء فى بحر، أو مذّنب يحوم من السماء على وكر. فلا تفخر أيها النسر بقوادمك 

منطاد يفتخر على نسر

وخوافيك، ولا تذكر مخالبك الحادة، ومنقارك الصلبى، فلى محركات هائلة، تؤز أزيزا  يملأ الجو فزعا ورُعبا، ويسرى فى الأنفس خوفا، ورهبا، أمرق بها كالسهم مروقا، وتُعَبِّ لى فى الهواء طريقا، أما القوة والبأس، فما ظنك بمن يعبر الصحارى والقفار، ويقتحم المحيطات والبحار، ويقطع السهول والأوغار، ويبقى فى الفضاء ليالى وأياما، لا يبالى الحر والقر، ولا يشكو التعب والنصب، ولا يحتاج الدعة والراحة، يديره قائد مجرب، ذو إرادة قوية، وأعصاب حديدية، وفكر ورويةً ، ينكب فى مواطن الخطر، ويسلك مسالك النجاة : فبينما تلمحنى أتسنَّم الذُّرا ، إذا بى أشارف  الثرى، وفيما ترانى أندفع كالسيل الهامر، والموج الزاخر، إذا بى أخطو هوْناً  وأسير قصْداً ، وإذا كان النسر لا يحمل إلا نفسه، ولا همّ له إلا جلب ما يشبع نهمه، ويشفى قَرَمه  ويستبيح فيه ذلك بر البطون، وفرْى الأوداج وإتلاف الأنفس والثمرات، فإنى أداة إستكشاف، ووساطة تعارف وائتلاف، ورمز حضارة ومدنية، ورسول سعادة ورفاهية، أصل بين البلدان، وأحمل الأناسى والنفائس، من مكان إلى مكان، مع القصد فى الزمان، وتوفير الراحة لبنى الإنسان.   ×


author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent