recent
أخبار ساخنة

سمكة الحظ..!

 

سمكة الحظ..!


سمكة الحظ..!


      كانت مملكة " مرجانة " أسعد مملكة فى العالم كُله ، إذ كان أهلها يعيشون متحابين ، متعاونين ، لا يكدر صفو سعادتهم شىء ، وكانوا يحبون أميرهم حباً جماً ، لأنه أمير مُخلص ، كريم ، يُحب شعبه ولا يُفكر إلا فى مصالحه ...¢

      وكان فى حديقة قصر الأمير بركة ماء صغيرة ، تنمو على حافاتها الأزهار النادرة ، ويسبح فيها السمك الملون ، وكان بين ذلك السمك سمكة صغيرة ، وردية اللون ، لامعة العينين ، يعتقد الأهالى جميعا أنها سبب سعادة المملكة ، ويسمونها لذلك " سمكة الحظ " ...

      وكان للأمير ولد صغير ، إسمه " راشق " ، فاشترى له ذات يوم قوسا صغيرة ، وجُعبة (1) سهام ، ليتمرن على الرماية وإصابة الهدف ...

      وفى يوم من الأيام ، هبط راشق إلى الحديقة ، وهو يحمل قوسه وجُعبة سهامه ، فوقف على البركة ، ثم أراد أن يجرب قدرته على الرمى وإصابة الهدف ، فشد قوسه ، ثم صوب سهمه إلى سمكة الحظ ، فلم تكد تراه حتى إرتفعت فى الجو صاعدة كالطائر ، ثم هبطت فى بحيرة كبيرة على حدود المدينة ، فغاصت فى مائها ، واختفت عن العيون ...

      أسرع راشق حزينا إلى أبيه ، فأخبره بما حدث ، فأسف الأمير أسفا شديدا ، وعنفه تعنيفا قاسيا على ما فعل ، ثم جلس يفكر فى الأمر ...

      ولم يمض على ذلك الحادث إلا ساعة ، حتى تغير كل شىء فى المملكة ، تغيرا لم يكن يخطُر على بال أحد ، فقد بدت أمارات الهم على وجوه الناس ، وانقلب إبتسامهم عبوساً ، وسرورهم حُزناً ، ورضاهم سُخطاً ، ومودتهم خصاماً ...

      ولكن أعجب ما حدث من التغير ، هو أن الناس رأوا أنفسهم يمشون بظهورهم إلى الوراء ، بدل أن يمشوا بوجوههم إلى الأمام ، وكذلك فعلت أنواع الحيوان ، فصار مشيها مثل الناس ، رجوعاً إلى الخلف ، أما النبات والشجر فقد إنقلب على رأسه ، فاندفنت فروعه وأزهاره فى الأرض ، وظهرت جذوره متجهة نحو السماء ، واختل نظام النجوم والكواكب ، فظهرت الشمس فى الليل ، وبزغ القمر فى النهار ...

      وهكذا بدا كل شىء مقلوبا فى مملكة مُرجانة ، مُنذ غادرت سمكة الحظ بركة القصر !

      حزن الأمير حُزنا شديداً لهذا الإنقلاب ، وأراد أن يحتال لعلاج الأمر ، فأمر ولده أن يكتب مائة مرة على سبورته فى القصر : " أنا آسف لما حدث " !

      ثم إستدعى العُلماء والحُكماء ليشاورهم فى الأمر ، فقالوا له :

-   لا علاج يا مولانا لهذا الأمر ، إلا بأن تأمُر كل من يحسن الصيد فى المملكة ، بأن يخرُج بشبكته إلى البُحيرة ، ليحاول أن يصطاد سمكة الحظ، فيردها إلى مكانها من بركة القصر ...

      أطاع الناس الأمر ، وخرجوا بشباكهم إلى البحيرة ، وهُم يُمنون أنفسهم بالعثور على السمكة، ليردوها إلى مكانها ، ولكن الأيام توالت ولم يعثر عليها أحد ، ومضى أسبوع وراء أسبوع ، وشهر وراء شهر ، والناس يحاولون إصطياد السمكة فلا يستطيعون ، فغلبهم اليأس ، وفى كل مرة يعودون محزونين ، إلا غلاما واحدا إسمه " واثق " وفتاة واحدة إسمها " صابرة " ، ظلا جالسين على حافة البحيرة ، يبحثان عن السمكة المفقودة ...

      ومرت سنوات وسنوات والحياة فى المملكة مقلوبة رأسا على عقب ، والناس جميعا يمشون إلى الوراء ، ونظام العيش مُختل ، وواثق وصابرة جالسان على شاطىء البُحيرة ، يرمى كل منهما شبكته ثم يسحبها ، ويرميها ثم يسحبها ، ولا فائدة ! ...

      واحتال الناس على حياتهم الجديدة ، فاتخذ كل منهم لنفسه مرآة ، ينظر فيها إذا مشى فى الطريق ليرى ما وراء ظهره ، حتى لا يصطدم فى جدار ، أو يقع فى بئر ، فألفوا هذه الحياة وتعودوها ، ونسوا – أو كادوا – سمكة الحظ الضائعة ، وسعادتهم المفقودة ، ولكن واثقا وصابرة ، لم ييئسا ولم ينسيا ...

      ومضت سنوات أخرى كثيرة ، مات فيها الشيوخ ، وشاب الشبان ، وهرم الصبيان والصبايا ، ومات أمير المملكة ، وتولى راشق العرش من بعده ، وواثق وصابرة يجلسان على شاطىء البحيرة، يعملان بلا يأس ولا ملل !

      وذات يوم ، خرج الأمير راشق لنزهته ، فوصل إلى شاطىء البُحيرة ، فرآهما جالسين ، وكان واثق قد شاخ ، وطالت لحيته ، وشاخت صابرة وابيض شعرها ، فقال راشق لأصحابه :

- ما أعجب أمر هذين ، وما أشد إخلاصهما ، لقد قررت أن يكونا فى صُحبتى بالقصر ، ليعيشا السنوات الباقية من حياتهما فى سعادة وهناء ، جزاء إخلاصهما وصبرهما !

      إقترب الأمير من صابرة أولا ، فقامت من مكانها على الشاطىء ، لتصحب الأمير إلى قصره ، أما واثق فهم أن يقوم - من مكانه - ليصحب الأمير ، ولكن لحيته الطويلة كان شعرها قد ثبت فى قاع البحيرة ، كما تثبت جذور الشجر فى الأرض ، فلم يستطع أن ينهض ، فأقبل أصحاب الملك يساعدونه حتى إقتلعوها – بعد جهد جهيد – من مكانها ...

      وما كان أشد دهشة الأمير ، حين رأى سمكة الحظ وقد إشتبكت بلحية واثق ، وهكذا عادت السمكة إلى بركة القصر ، فعادت الحياة الطبيعية إلى مملكة مُرجانة !

 

إنتهت



(1) جعبة : مجموعة .

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent