recent
أخبار ساخنة

حوار بين ثور وحصان

 

حوار بين ثور وحصان

حوار بين ثور وحصان 


    وقف الحصان مُعجباً بنفسه، يُباهى  الحيوان بلجامه وسِرجه، يرفع رأسه للسماء، ويدوى صهيله فى أجواز الفضاء، فمرَّ به ثور أنكر عليه زهْوَه  وسخر من إختياله، وقال له " لا تصَعّر  خدك للناس، ولا تمش فى الأرض مرحَاً، إن الله لا يحب كل مُختال فخور " فتَميز  الحصان من الغيظ، وقال : ما لهذا الخامل ينكر علىّ عظمتى وبهائى، ولا يخجل أمام قوتى وذكائى !. فمَد الثور شفتيه سُخْرِية وقال : العظمة لله أيها الذكى ! لا يُقَوَّم الفرد فى هذه الحياة بجماله، وإنما يوزن بفائدته وأعماله، فقال الحصان : - لقد ختم الله على قلبك، وأعمى بصرك، فلم تقرأ فائدتى مخطوطة بحروف كبيرة على أعمدة ضخمة، فتؤمن بذكائى، وتعترف بجليل آثارى " – ألست الذى يظهر على المسرح، فيقوم بأعمال تدهش الحاضرين، وتسر المشاهدين، وأنا الذى يجتمع إلى الناس من بدْو وحضر، ويفِد علىَّ وزراء الدولة ووجهاؤها بالأسكندرية صيفاً، وبالقاهرة شتاء، يتراهنون علىّ، فأطير فى الميدان، وأحرز قصب السبق، وأفوز بالرهان، وأنال جائزة تشيد بذكرى، وترفع قدرى !

     فقال الثور : - لا يزال الغرور يملأ صدرك، ويحرك ذيلك – وأى فائدة للعالم من سبقك وتمثيلك !!

     فقال الحصان : - لحى الله هذا الزمان، الذى وقف فيه الثور يفاخر الحصان. ألم يسمع بأن ظهرى هذا هو الذى أوغل  بالجندى فى ساحة القتال، فخضت به غمرة  المعارك، وزججته فى معمعة المهالك، حتى حاز النصر، ورجع بالفخر، ألم يدُرْ بخلده أنى أطير بالصياد فى جوف الصحراء، فلا أعود أو يقتنص الظباء ؟ ألم يعلم أنى ذلك الجواد المُطَهَّم  ، والغمر  النَّهْد، الذى يجر المراكب التى تسير بالناس لقضاء أعمالهم ؟

    × ولولا ما فىَّ من زينة، ووقار ، وأبَّهة  وفخار، لما إختارنى جلالة المليك، فى الإحتفالات العامة، للسير

بمركبه أمام موكبه. ولولا أنى عظيم الشأن، لما بدأ بذكرى القرآن، فقال : - ( والخيل والبغال والحمير

 

حوار بين ثور وحصان

لتركبوها وزينة ). تلك مزاياى التى لم تأبه لها، فأين مالك من فضل ؟
×

     فقال الثور : - موعدنا غداً – وإن غداً لناظره ريب – فأريك مكانتى، وأبرهن على عظمتى.×

    × لم تكد الشمس ترسل أشعتها، صباح اليوم الموعود، حتى أقبل الحصان ينهد ، فلقى الثور يخور، وقد حملق عينيه، ونصب أذنيه، ونكِّس رأسه – شأنه كلما خامره  عُجْب أو إختيال – فقال له : - هذا يومنا، فبرهن لنا على شرفك، وأعلن عن قدرك. فقال الثور : - أتجحد شرفى، وتُغضى عن قدرى؟ لقد كُنت معبود القدماء : يركع الملوك أمامى، إعترافاً بإلوهيتى، ويسجدون تحت قدمى، رجاء نعمتى، وخشية نقمتى. فقال الحصان:- إن جهل القُدامى وضلالهم، هو الذى نصَّبك إله لهم، فهاج الثور ثم قال : - لا تقُل جهل القدامى أيها الحصان، فإن عبادتى نتيجة لتفكير سيدك الإنسان: فإنه بحث ونظر، ثم فكر وقدر، وبعد ذلك قرر : أن إله الناس أنفعهم للناس، ولما كنت عماد الحياة المصرية، وأساس الخير والرفاهية، وقَّرونى فعبدونى. لعلك لا تنكر على الشمس سموها، وأنها ضياء الحياة وسعادتها، إنهم عبدوها لمكانتها. فقبع الحصان قبعاً دل على إحتقاره للثور ثم قال:- إنهم كما وقَّروك فعبدوك، إحتقروك فذبحوك، فقال الثور : - لازلت قصير النظر، ضيق الفكر. إنك لا تمارى  فى أن كلينا يموت موتة واحدة لا إثنتين، أما أنا فأموت مستريحا، بالسكين، وأنت تموت، تعالج الألم، وتردد الأنين، وأنا يغسل لحمى ويطبخ فى القدور، وأنت تنهشك الكلاب، وتتخطفك الطيور، وأنا غذاء الإنسان، وأنت جيفة يأكلها أخس الحيوان. فقال الحصان : - لكن أيها المعبود، ما هذه السَّعفَة  التى تشرح جلدك وذلك السرطان  الذى يعلو عنقك، والحبل الذى يكاد يقطع أذنك، أتنكر أن هذا أثر السوط على جسدك، ووقع النير  على عنقك، وجذب الزمام لأذنك؟!، أليست هذه آثار تسخير الإنسان، وسيمة على الذِّلة والهوان ؟. فقال الثور : - لا يعيب السيفَ أنه مفلول، ولا الفارسَ أنه مجهد مهزول، فهذه القروح وتلك البثور، سمات الشرف أُباهى بها كل مغرور، فلولاها ما أخصب وادى النيل، وما أخضرَّت الأرض وأزَّينت، وأغلَّت بأجور الثمرات. وما وجدت علفك، مما تنبت الأرض من شعير وفول، وما تمتعِ الناس بطعام كما يشتهون، وفاكهة مما يتخيرون، وما جنَوا قطنا يدر عليهم الأموال، فإنى أفلحالأرض بالمحراث. وأرويها بالناعورة، وأدرس الغلة بالنورج. وكفانى فخراً أنى ساعد الفلاح الأقوى، وذراعه اليمنى. وهذه أنثاى، تلد وتنسل  وتخرج لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، ففاخرنى بعد هذا أيها الحصان، وأرِنى ما أفلحت فيه غير الرقص والسباق فى الميدان، فعند ذاك بُهتالحصان وتلعثم، ثم سكت واُلجم.   ² 

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent