recent
أخبار ساخنة

حكايات المخلوعين الستة من حكم مصر

 


حكايات المخلوعين الستة من حكم مصر


 

1- (خورشيد باشا) أول المخلوعين الستة

 

¨   عاشت مصر في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر لحظات تحول شكلت مسار التاريخ المصري الحديث، لقد كانت مصر في تلك السنوات مسرحاً لصراع بين ثلاث قوى تسعى كل منها إلى فرض سيطرتها على البلاد والإنفراد بحكمها، الأتراك العثمانيون وأمراء المماليك الجراكسة والإنجليز.

.. لكن غاب عن هذه القوى المتصارعة أن هناك عنصراً جديداً ظهر على الساحة مجدداً هو الشعب المصري، بدأت قوته في الظهور من جديد في السنوات السابقة، على مقدم الحملة الفرنسية من خلال حركات الإحتجاج المتكررة ضد طغيان المماليك وأعوانهم، وكانت أهم تلك الحركات ثورة يوليو 1795 التي قادها مشايخ الأزهر، ونجحت في إرغام (إبراهيم بك) و(مراد بك) قائدي المماليك على توقيع وثيقة إلتزما فيها بعدم فرض ضرائب جديدة على الناس، وخلال سنوات الحملة الفرنسية على مصر إنخرط المصريون في النضال من أجل تحرير بلادهم، فثارت القاهرة ثورتين كبيرتين وحمل المصريون في الدلتا والصعيد السلاح في وجه قوات الحملة الفرنسية، وإستمرت مقاومتهم لها إلى أن رحلت.

.. وخلال حركة المقاومة تبلورت قيادة شعبية جديدة من بعض مشايخ الأزهر وكبار التجار وشيوخ الطوائف الحرفية، وإنضم إلى هذه القيادة السيد (عمر مكرم) نقيب الأشراف بمصر، والذي كانت له مكانة كبيرة لدى المصريين.

.. منذ رحلت الحملة الفرنسية عن مصر في سبتمبر من سنة 1801 لم يعد الإستقرار إلى البلاد مرة أخرى، ولم يتمكن العثمانيون من إستعادة سطوتهم الكاملة على مصر، ففي أربع سنوات تولى باشاوية مصر من قبل السلطان العثماني خمسة باشاوات إنتهى حكمهم معزولين أو مقتولين، كان أولهم (خسرو باشا) وخامسهم (خورشيد باشا) خلال تلك السنوات الأربع أخذت أحوال البلاد، تسير من سئ إلى أسوأ، وإزدادت معاناة المصريين بسبب مظالم المماليك والأتراك وتدخل القوى الأوروبية في شئون البلاد، فارتفعت الأسعار وإختفت السلع من الأسواق وزادت الضرائب، وغاب الأمن، ففاض الكيل بالمصريين، خصوصاً بعد أن إعتمد الباشا العثماني الذي كان يحكم مصر بإسم السلطان على فرقة الجنود الدلاة المعروفين بقسوتهم وشراستهم في قمع حركات التمرد والإحتجاج بدلاً من أن يسعى لحل مشاكل الناس، وفي يوم الأربعاء أول مايو سنة 1805، بدأت الأحداث تتصاعد عندما إعتدى الدلاة على أهالي مصر القديمة التي كانت معقلاً من معاقل التمرد على الباشا العثماني، وأخرجوهم من بيوتهم ونهبوا مساكنهم وقتلوا البعض منهم، فكانمت هذه شرارة الثورة التي أطاحت بالباشا العثماني وفرضت إرادة المصريين على السلطان، فخرج سكان القاهرة وضواحيها إلى الشوارع في تحد واضح للجيش العثماني، مطالبين بإخلاء المدينة من الجند الدلاة ومحاسبة قادتهم على ما إرتكبوه من مذابح، وأعطى زعماء الشعب مهلة للباشا العثماني تنتهي يوم السبت 11 مايو لتنفيذ مطالبهم، لكنه لم يصدق أن الإنذار حقيقي وإغتر بقوته العسكرية ولم يستجب لهم.

.. وفي اليوم التالي لإنتهاء المهلة ركب المشايخ إلى بيت القاضي، وإجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والأطفال، حتى إمتلأ المكان بالناس، وتعالت الهتافات (يارب يا متجلي أهلك العثمنللي)، وطلب المجتمعون من القاضي أن يستدعي رجال الدولة لتقديم عرضحال لهم بطلبات الشعب لتقديمه للباشا، فأخذوه ووعدوهم بالرد في اليوم التالي.

.. وحاول الباشا العثملني المماطلة فأرسل إلى القاضي والعلماء يطلب حضورهم للقلعة للتشاور معهم في أحوال البلاد، وأحس زعماء الشعب بسوء النية، وبدلاً عن الصعود للقلعة يوم الإثنين، إتخذوا خطوة غير مسبوقة في تاريخ مصر، فتوجهوا وحولهم جموع المتظاهرين إلى (محمد علي)، وعرضوا عليه حكم مصر بشروطهم، فتمنع في البداية لكنه قبل في آخر الأمر، فنصبه السيد (عمر مكرم) والشيخ (عبد الله الشرقاوي) حاكماً لمصر ضاربين عرض الحائط بالسلطان العثماني، وبنائبه في القلعة وبقوته التي كانت تحتل مصر، وكان ذلك عصر يوم الإثنين 13 مايو 1805، وأعلن الخبر في القاهرة وفي أنحاء البلاد في الليلة نفسها.

.. إن ما حدث كان تحولاً مهماً في التاريخ المصري، تحولاً توج مرحلة من النضاتل الشعبي إمتدت لأكثر من عشر سنوات، حاول خلالها المصريون أن يستعيدوا أمر بلادهم بأيديهم، ففي ذلك اليوم نجح المصريون لأول مرة في خلع الحاكم وإختيار بديل له يتولى شئونهم، كما نجحوا في وضع الشروط التي يولونه الحكم على أساسها، وقد رأى المصريون في ذلك الحين أن (محمد علي) هو الشخصية التي تصلح لتولي الأمر، بعد أن ظل طوال أربع سنوات يتقرب منهم ويتودد إليهم، لكن الأمور سارت في مسار آخر، فتخلص (محمد علي) من قادة الشعب الذين نصبوه حاكماً بالقتل أو النفي أو شراء الذمة، وأسس نمطاً جديداً من الإستبداد.

 

2-(محمد نجيب) الرئيس الأول

 

¨   كان اللواء (محمد نجيب) رئيس للجمهورية المصرية، وقد تسلم الرئاسة في 18 يونيو 1952، لكن الرئيس (نجيب) عزل من منصبه بقرار من مجلس قيادة الثورة في 14 نوفنمبر سنة 1954، وجاء هذا في سياق ما يعرف في التاريخ المصري بأزمة مارس 54، رغم أن هذه الأزمة إمتدت من فبراير إلى نوفمبر.

.. أزمة بين إتجاهين، إتجاه يرى عودة الحياة الديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته، وإتجاه يتمسك بإدارة الضباط الأحرار لإدارة شئون البلاد حتى النهاية.

.. كان النظام الجديد قد بدأ منذ مطلع عام 1953 سلسلة من الإجراءات التي صادر فيها الحريات، فحل الأحزاب السياسية في يناير عام 1953، وصادر أموالها بإستثناء جماعة الإخوان المسلمين، وتم إعتقال عدد من قادة الأحزاب وأعضائها، وأعلن عن فترة إنتقالية مدتها ثلاث سنوات وبعد عام بدأ الصدام بين مجلس الثورة والإخوان وصدر قرار حل الجماعة في يناير 1954.

.. وفي فبراير 1954 بدأت الخلافات تدب داخل صفوف الضباط الأحرار فأعلن الرئيس (محمد نجيب) إستقالته من مناصبه في 25 فبراير، وبدا في البيان الصادر في ذلك اليوم أن هناك صراعاً خفياً منذ اللحظة الأولى بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر القائد الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار، وفقاً للبيان، وانتهى البيان إلى قبول إستقالة نجيب وتعيين جمال عبد الناصر رئيساً للوزارة، بالإضافة إلى قيادة لمجلس قيادة الثورة.

.. لكن الوسطاء نجحوا في تقريب وجهات النظر، وعاد (نجيب) عن إستقالته، وعاد لمنصبه في 27 فبراير، وفي اليوم التالي خرجت المظاهرات الطلابية تطالب بالديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته، وإنتهت المظاهرات بإشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين في ميدان قصر النيل، وما حوله، وفي اليوم التالي تم وقف الدراسة في الجامعات، وتم القبض على عدد من الطلاب من الإخوان والإشتراكيين والوفديين والشيوعيين.

.. وفي محاولة لإحتواء الغضب الشعبي أعلن (جمال عبد الناصر) رئيس الوزراء عن قرارات إتخذها مجلس الوزراء في 5 مارس تتضمن إتخاذ إجراءات عقد جمعية تأسيسية منتخبة تجتمع في يوليو 1954 لتناقش مشروع الدستور الجديد، وتقوم بعمل البرلمان لحين إنتخابه، أي إختصار الفترة الإنتقالية، وتقرر إلعاء الأحكام العرفية قبل الإنتخابات بشهر، وإلغاء الرقابة على الصحف إبتداء من 6 مارس.

.. لكن أياً من هذه القرارات لم ينفذ، فلم تنتخب الجمعية التأسيسية ولم تجتمع إلى الآن، وعادت الأحكاتم العرفية، ولم تلع طوال 60 سنة، إلا لمدد متفرقة، لا تتجاوز ست سنوات.

.. وفي يوم 25 مارس قرر مجلس قيادة الثورة السماح بقيام الأحزاب، وحل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو سنة 1954 أي في يوم إنتخاب الجمعية التأسيسية.

.. كان الصراع واضحاً بين جناح يقوده (محمد نجيب) ومعه (خالد محيي الدين) وعدد من ضباط سلاح الفرسان، ينحاز إلى الديمقراطية، وجناح يقوده (جمال عبد الناصر) وباقي أعضاء مجلس الثورة، يسعى إلى عدم تخلي الضباط الأحرار عن الحكم.

.. وخلال أيام قليلة تم التراجع عن قرارات 5 و25 مارس لصالح إستمرار الضباط الأحرار في الحكم، بعد تحرك الضباط في عدد من الأسلحة لمساندة (جمال عبد الناصر) ومجموعته، وبعد دفع بعض العناصر النقابية لتحويل المظاهرات العمالية من تأييد الديمقراطية إلى دعم الإستبداد والديكتاتورية.

.. وفي الأسابيع التالية توالت قرارات الإنقلاب على الديمقراطية، فتم حرمان الوزراء الحزبيين السابقين من الحقوق السياسية، وتم حل مجلس نقابة الصحفيين في منتصف أبريل، وقبل نهاية العام كان قد تم حل مجلس نقابة المحامين، كما إتسعت حملات الإعتقالات في صفوف الطلاب والعمال والسياسيين، وتمت إحالة عدد من ضباط الجيش للمحاكمات.

.. وفي 26 أكتوبر 1954 تعرض (جمال عبد الناصر) لمحاولة إغتيال أثناء إلقاء خطاب في ميدان المنشية، تم في أعقابها إعتقال عدد من أعضاء الإخوان المسلمين وتقديمهم للمحاكمة وإصدار عدد من أحكام الإعدام ضد بعضهم، في قضية مازالت ملابساتها غامضة.

.. وتم إتهام الرئيس (نجيب) بأنه كان على صلة بالإخوان وصدر قرار عزله، من منصبه كرئيس للجمهورية وتم تحديد إقامته، وحذف إسمه كأول رئيس للجمهورية من المناهج الدراسية ووسائل الإعلام إلى أن رفع الرئيس (أنور السادات) الإقامة الجبرية عنه بعد توليه الرئاسة.

 

3- (عباس حلمي الثاني).. الرهان الخاطئ

 

¨   (عباس حلمي) الثاني السابع من حكام مصر من أسرة (محمد علي) تولى منصب الخديوية عقب وفاة والده (توفيق) وهو في الأربعين من عمره، بعد إصابته بالإنفلوانزا، في يناير من عام 1892، ولم يكن (عباس حلمي) قد أكمل عامه الثامن عشر بالتقويم الميلادي فتم تنصيبه وفقاً للتقويم الهجري، وكان الخديو الشاب يدرس في فيينا فقطع دراسته وعاد للبلاد ليتولى مهام منصبه، وقد إعتبرت الصحف البريطانية في ذلك الوقت أن الإحتلال البريطاني لمصر أصبح أكثر ضرورة بوفاة (توفيق) فالخديو الجديد عن الجلاء.

.. لكن الخديو الشاب سار في طريق مخالف للطريق الذي سار فيه والده، كان(توفيق) موالياً لسلطات الإحتلال، بل هو الذي مهد لها الطريق، أما (عباس حلمي الثاني) فقد سعى إلى إستعادة سلطاته وإصطدم باللورد (كرومر) المعتمد البريطاني في مصر والحاكم بأمره لسنوات طويلة، وإتجه (عباس) لمؤازرة زعيم شاب بزغ نجمه في ذلك الوقت، هو الزعيم (مصطفى كامل) الذي كان يصغر الخديو بشهر واحد.

.. وإستمرت الصدامات بين عباس حلمي وكرومر حتى رحيل الأخير عن البلاد عقب حادثة (دنشواي)، فبدأت العلاقات تتحسن تدريجياً بين الخديو وسلطات الإحتلال وكان من الممكن أن يستمر (عباس حلمي الثاني) في حكم مصر حتى نهاية حياته، لكنه إختار في الحرب العالمية الأولى العثماني فكانت نهايته كحاكم لمصر وهو في الأربعين من عمره.

.. في عام 1914 نشبت الحرب في أوروبا بين معسكرين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا في جانب، وألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا ثم تركيا في الجانب الآخر، بدأت المعارك في أغسطس بعد إعتداء ألمانيا على بلجيكا، وتصاعدت المعارك بطول أوروبا وعرضها، وإمتدت إلى منطقة المشرق العربي، والمستعمرات، كانت أول حرب في تاريخ الإنسانية تمتد بهذا الإتساع.

.. كانت مصر بين نارين في هذه الحرب فعلى أرضها قوات الإحتلال البريطاني منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وفي نفس الوقت هى ولاية تابعة لتركيا من الناحية الرسمية، وتنازع رجال السياسة في مصر إتجاهين: الأول يراهن على إنتصار ألمانيا واهماً أن هذا الإنتصار سيقود إلى إستقلال مصر، أما الإتجاه الثاني فكان يؤمن بإنتصار الحلفاء ويرى في بريطانيا شراً أهون من شر، كما كان هؤلاء يتصورون أن مساندة مصر لبريطانيا العظمى في الحرب سيؤدي إلى منح إستقلالها.

.. مع بداية الحرب في أغسطس 1941 أعلن مجلس النظار منع التعامل مع ألمانيا وعاياها، ومنع السفن المصرية من الإتصال بالموانئ الألمانية وإحتجاز السفن الألمانية في الثغور المصرية، ومنح القوات البريطانية حقوق الحرب في الأراضي والمياه المصرية.

.. وفي 2 نوفمبر 1914 أعلن الجنرال (مكسويل) قائد جيش الإحتلال في مصر وضع القطر المصري تحت الحكم العسكري، وفرضت الرقابة على الصحف كنتيجة لإعلان الأحكام العرفية.

.. يوم 11 نوفمبر 1914 أعلن الخديو (عباس حلمي الثاني) الذي لم يعد من إجازته الصيفية من إسطنبول، بناء على نصيحة الزعيم (محمد فريد) منشوراً إلى الأمة بإعلان الدستور الكامل في مصر، والحقيقة أن الإعلان كان يهدف إلى حشد الشعب المصري خلف الدولة العثمانية ومحاولة الحصول على تأييد المصريين للزحف التركي على البلاد.

.. وفي 18 ديسمبر 1914 أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وأنهت علاقتها بالدولة العثمانية وعزلت الخديو (عباس حلمي الثاني) وحولت مصر إلى سلطنة، وعينمت السلطان (حسين كامل) سلطاناً على البلاد تحت الحماية البريطانية.

.. وقضى (عباس حلمي) بقية حياته منفياً يدير المؤامرات من أجل إستعادة عرشه دون جدوى.

 

4- (أحمد فؤاد الثاني).. الملك الذي لم يحكم

 

¨   يختلف المؤرخون حول تصنيف (أحمد فؤاد الثاني) ضمن حكام مصر، لكن واقع الحال أن الضباط الأحرار عندما طلبوا من الملك (فاروق) التنازل عن العرش يوم 26 يوليو 1952، طلبوا منه التنازل لإبنه (أحمد فؤاد) الذي كان عمره لم يتجاوز الأشهر السبعة، وهذا ما حدث بالفعل لتدار البلاد من خلال مجلس قيادة الثورة والحكومة التي كان يتولاه حتى سبتمبر (علي باشا ماهر) ومجلس الوصاية على العرش الذي تشكل في 30 يوليو من الأمير (محمد عبد المنعم) و(بهي الدين بركات) والقائم مقام (محمد رشاد مهنا).

.. لكن الأمور كانت تسير في إتجاه آخر، فقبل مرور عام على إنقلاب يوليو قرر مجلس قيادة الثورة، في يوم 18 يونيو عام 1953، إعلان الجمهورية وإنهاء أسرة حكم (محمد علي) وتعيين اللواء (محمد نجيب) كأول رئيس للجمهورية.

.. وجاء في هذا القرار:

.. (لما كانت الثورة عند قيامها تستهدف القضاء على الإستعمار وأعوانه، فقد بادرت في 26 يوليو سنة 1952، إلى مطالبة الملك السابق (فاروق) بالتنازل عن العرش لأنه كان يمثل حجر الزاوية الذي يستند إليه الإستعمار، ولكن منذ هذا التاريخ، ومنذ إلعاء الأحزاب وجدت بعض العناصر الرجعية فرصة، وحياتها ووجودها مستمدة من النظام الملكي الذي أجمعت الأمة على المطالبة بالقضاء عليه قضاء لا رجعة فيه).

.. وبعد أن يذكر القرار مسالب أسرة (سرة (محمد علي) خاصة إسماعيل وتوفيق وفاروق، إنتهى إلى أن يعلن بإسم الشعب.

.. (أولاً: إلغاء النظام الملكي وإنهاء حكم أسرة "محمد علي" مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة.

.. ثانياً: إعلان الجمهورية بتولي الرئيس اللواء أركان حرب (محمد نمجيب) قائد الثورة رياسة للجمهورية، مع إحتفاظه بسلطاته الحالية في ظل الدستور المؤقت.

.. ثالثاُ: يستمر هذا النظام طول فترة الإنتقال، ويكون للشعب الكلمة الأخيرة في نوع الجمهورية وإختيار شخص الرئيس عند الإقرار بالدستور الجديد).

 

5- الخديو (إسماعيل).. الطموح والإنكسار

 

¨   حكم (إسماعيل باشا بن إبراهيم بن محمد علي) مصر في الفترة من يناير 1863 إلى يونيو 1879، وهو الخامس من أفراد الأسرة العلوية الذين تولوا حكم مصر، وقد تولى الحكم، وقد بلغ من العمر 32 عاماً فهو من مواليد 31 ديسمبر 1830، وكان من تلاميذ البعثات التي أوفدها جده (محمد علي) إلى باريس، ويعد عصره من أهم عصور التحول في تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، كان الرجل صاحب مشروع لتحديث مصر على النمط الأوروبي، ولجأ إلى التوسع في الإستدانة لتحقيق مشروعاته، فأوقع مصر في قبضة القوى الإستعمارية الأوروبية التي سعت إلى عزله في النهاية، كان في ذات الوقت متمسكاً بالسلطات الإستبدادية للحاكم، الأمر الذي أدى إلى تكرار الصدام بينه وبين الحركة الوطنية الصاعدة في تلك الفترة، لكن عصره شهد ظهور النظام النيابي والنظام الوزراري، كما شهد ظهور الأحزاب السياسية في مصر لأول مرة، ويلخص المؤرخ (عبد الرحمن الرافعي) عصره في كلمات موجزة، فيقول:(يمثل من ناحية عهد تقدم وعمران، ويعد من ناحية أخرى عهد القروض المشئومة والأغلاط المتلاحقة التي عصفت بالبلاد.

.. لقد سعى (إسماعيل) منذ توليه باشاوية مصر إلى الحصول على وضع مميز للولاية، فحصل على عدة فرمانات من السلطنة العثمانية منحته سلطات أكبر في إدارة أمور البلاد، ونجحت الحركة الوطنية في إنتزاع نظام نيابي ولائحة وطنية أو دستور لإدارة البلاد، وكانت سنوات السبعينيات من القرن التاسع عشر، مرحلة صراع بين الحركة الوطنية والخديو، كما كانت سنوات للدفاع عن البلاد في مواجهة التدخل الأوروبي، في شئون البلاد، التدخل الذي فتحت قروض الخدية الباب أمامه، منا كانت سنوات من الضغط المستمر من القوى الإستعمارية الأوروبية على الخديو إسماعيل.

.. وعندما إتحه الخديو إسماعيل إلى إستخدام الحركة الوطنية الصاعدة في مواجهة التدخل في شئون مصر المالية والسياسية، قررت الدول الأوروبية عزله عن خديوية مصر... كانت الدول الأوروبية قد فرضت على (إسماعيل) نظاماً للرقابة الثنائية الأنجلو فرنسية على إقتصاد البلاد، ثم حل محل هذا النظام تعيين وزيرين أوروبيين في الحكومة المصرية لمراقبة الموارد والمصروفات والسيطرة عليها.

.. وعندما إستجاب الخديو (إسماعيل) في أبريل سنة 1879 إلى اللائحة الوطنية التي وضعها ممثلو الأمة، فيما يتعلق بتسوية الديون وتشكيل حكومة وطنية مسئولة أمام المجلس النيابي، وأصدرلا الخديو مرسوماً بتسوية الدين معلناً في ديباجته أنه أصدره بناء على ما عرضته الأمة، وكلف (شريف باشا) بتشكيل حكومة وطنية إستبعد منها الوزيرين الأوروبيين، مع إستعداده لإعادة الرقابة الثنائية، عندها أحست القوى الإستعمارية الأوروبية بخطورة النهضة الوطنية، ومخاطر تحالف الخديو مع الحركة الوطنية أو رضوخه لها، قررت الدول الأوروبية أن تتحالف من أجل خلع الخديو(إسماعيل).

.. وخلال شهري مايو ويونيو توالي تقديم قناصل الدول الأوروبية بخطورة النهضة الوطنية، وفي نفس الوقت سعت إنجلترا وفرنسا، لدى الأستانة لعزل (إسماعيل) عن حكم مصر، الأمر الذي لقى هوى لدى السلطان العثماني ظناً منه أن في ذلك إستعادة لسلطته المفقودة على مصر.

.. وفي 24 يونيو وردت الأخبار من إسطنبول بإتجاه السلطان لعزل (إسماعيل) فذهب إليه بعد منتصف الليل، قناصل فرنسا وإنجلترا وألمانيا يناشدونه التنازل عن العرش لكنه رفض، وبعد يومين، في 26 يونيو 1879، صدر قرار عزل (إسماعيل) وتعيين إبنه (توفيق) خديو لمصر، وقد حمل (شريف باشا) البرقية التي جاءت من أسطنبول إلى الخديو (إسماعيل) فطلب منه إستدعاء إبنه (توفيق)، وبمجرد دخوله عليه خاطبه بلقب أفندينا، وأبلغه بالقرار، وفي مساء نفس اليوم أقيمة حفلة تنصيب (توفيق) ثاني خديوي لمصر، وسادس حاكم من أسرة (محمد علي).

.. أما (إسماعيل) فقد إختار إيطاليا منفى يقضي فيه بقية عمره، وغادر الخديو المخلوع سراي عابدين في موكب رسمي إلى محطة مصر يصحبه إبنه الخديو الجديد، وهناك إستقل القطار إلى الإسكندرية، حيث فادرها إلى نابولي في اليخت المحروسة... وظل (إسماعيل) يسعى للعودة إلى عرش مصر مرة أخرى دون جدوى وتنقل بين مدن أوروبا إلى أن إستقر في إسطنبول عام 1888، وتوفي يوم 2 مارس سنة 1895، ونقل جثمانه إلى مصر ليدفن بمسجد الرفاعي بالقاهرة.

 

6- (فاروق) الأول والأخير

 

¨   تولى (فاروق) العرش تحت إشراف مجلس الوصاية على العرش، وهو فتى في السادسة عشرة من عمره، فقد ولد (فاروق) في عام 1920، وتوفى والده الملك، (أحمد فؤاد) في أبريل عام 1936، فقطع دراسته في إنجلترا وعاد ليتولى حكم البلاد، وقد دار صراع سياسي بعد عودته حول الموعد الذي يتسلم فيه حكم البلاد، دون مجلس وصاية، حيث سعى الأمير (محمد علي توفيق) إلى رفع السن القانونية إلى 25 عاماً حتى يتمكن الملك الشاب من إكمال تعليمه، وفي حقيقة الأمر كان يسعى للإستمرار في إدارة البلاد كوصي على العرش، بينما ظهر إتجاه آخر يرى أن تكون سن 21 هى السن القانونية لتولي العرش، لكن الأمور حسمت في النهاية وإستلم (فاروق) عرش أبيه عندما أكمل 18 عاماً، هجرية في سنة 1937، مثل عمه (عباس حلمي).

.. كانت الظروف مهيأة ليفتتح (فاروق) صفحة جديدة، في حكم الأسرة العلوية، فقد أحبه الشعب في البداية، كما إستلم العرش بعد إنتهاء الأزمة الدستورية التي إستمرت من عام 30 إلى نهاية عام 35، كما كانت الأمة متوحدة والأحزاب مؤتلفة خلف قيادة الوفد، من أجل الوصول إلى معاهدة مع بريطانيا العظمى، كل ما كان مطلوباً من الملك الشاب أن يحترم الدستور ويحترم إرادة الأمة، ويبتعد عن سياسة أبيه في تدبير الإنقلابات الدستورية المتوالية.

.. لكن الملك (فاروق) سرعان ما سار على درب أبيه، وناصب الوفد حزب الأغلبية العداء، واصطدم بالحركةة الوطنية المرة تلو المرة، وأساء إدارة أمور البلاد، وبدأت شعبيته تتراجع بقوة في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وإزداد الملك في لهوه في حياته الخاصة، ولهوه بدستور البلاد، مردداً مقولته المعبرة عن يأسه من إستمرار ملكه:(لن يبقى في العالم إلا خمسة ملوك، ملك إنجلترا، وأربعة ملوك الكوتشينة).

.. ووصلت الأمور في مصر إلى حالة غير مسبوقة من التردي والتأزم عقب حريق القاهرة في 26 يناير 1952، الذي مازال الفاعل فيه مجهولاً إلى يومنا هذا بعد مرور ستين عاماً على وقوعه، إستغل (فاروق) الحريق ليطيح بوزارة الوفد ويعطل البرلمان، وتوالت على مصر عدة حكومات في ستة أشهر، لم يستمر بعضها سوى ساعات قليلة.

.. وفي 23 يوليو 1952، قام الضباط الأحرار بإنقلابهم العسكري، وبعد ثلاثة أيام من الإنقلاب وفي يوم 26 يوليو توجه القائد العام، وبصحبته البكباشي (أنور السادات) إلى المقر الصيفي للحكومة ببولكلي بالأسكندرية وقابلا (علي باشا ماهر) رئيس الوزراء وسلماه إنذاراً للملك (فاروق) موقعاً من (محمد نجيب) جاء فيه:(إنه نظراً لما لاقته البلاد في الفترة الأخيرة، من فوضى شاملة عمت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم وعبثكم بالدستور وإمتهانكم لإرادة الشعب، حتى أصبح كل فرد من أفراده لا يطمئن على حياته أو ماله أو كرامته..)، ويواصل الإنذار تعديد مثالب عصر (فاروق) لينتهي إ‘لى:(لذلك قد فوضني الجيش الممثل لقوة الشعب أن أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم الأمير "أحمد فؤاد" على أن يتم ذلك في موعد غايته الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم، ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه، والجيش يحمل جلالتكم كل ما يترتب على عدم النزول على رغيبة الشعب من نتائج).

.. وقع (فاروق) وثيقة التنازل عن عرش مصر لإبنه الرضيع (أحمد فؤاد الثاني)، غادر (فاروق الأول) ملك مصر والسودان البلاد منفياً إلى إيطاليا على ظهر اليخت المحروسة مثل جده (إسماعيل)، مفضلاً أن ينرك عرشه على أن يراق دم إنسان مصري واحد من أجل التمسك بالسلطة، وعاش هناك إلى أن توفى في مارس 1965 في ظروف غامضة.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent