recent
أخبار ساخنة

الطقوس السوداء

 


الطقوس السوداء

 

  

 

أطاع شيخ القرية هاتف منامه (أدعوه بالتي هى أحسن.)!. وفي اليوم التالي. يأتيه في حضرة معيته، وسط القاعة الفسيحة للمندرة البحرية المسورة بالوسائد والطنافس والستور الحمراء المسكونة كل ليلة بضباب الدخان الداكن الكثيف لعيدان البخور الحبشي المحترق من الشند والقرنفل، قرباناً لمعبد حرمانه العتيد من العشيرة والولد. قال له (إسمع. خميرة عكننه، لا أريد، وحسابي في الأخرة أنا عارفه، والحساب يجمع. بأدبك واستقامتك أهلاً وسهلاً، تدوشني، أنت ومن يصح لك.)!.

     ولآن شيخ القرية يعرف أن الذي يدعوه كان من قبل صادقاً في أعماقه، يرغب في الله حقاً، وفي أعماقه مؤمن، رغم أن حزنه كان لا يحتمل الله الكامل، إما أن يقبله الله هكذا، وهكذا يعبده، وإما فلا. له دينه حقاً، الصلاة فيه ركعتا جمعة من كل أسبوع، والنهار صيام في رمضان، هذا صحيح، والآن الأمل في الله كبيراً أن يستجيب للدعوة الإلهية، وبالفعل. عند بسطة العتبة الميمونة، يلج المدعو بالتي هى أحسن صحن المسجد العتيق، ومن آسف، رأسه وألف سيف، ألا يقف إلا في أخر صفوف المُصلين بلا وضوء وبالمداس الثقيل، وفوق رأسه عمامته الغبراء، وعلى جسده عباءته السوداء المطرزة بالديباج، بالقصب، بشراشيب الخيوط الملونة. وفي قاعة المسجد المفروشة بالحُصر الداكنة، تتلاقى الوجوه، غارقة لا تزال بماء الإفاقة والوضوء. عشرة صفوف طويلة ملأت المسجد العتيق، أناس ساجدون في خشوع، وإن كان سجوداً غير مريح، فمعظمهم كبار السن، مفاصلهم وعضلاتهم تصلبت حتى لم تعد تقوى على أوضاع الصلاة!.

      يُطيل شيخ القرية سجدته الاولي والثانية، ولا يكتفي بترديد سبحان الله ثلاثاًً، وعند الرابعة والخامسة والسادسة، تمعن اللحظة في مضيها دون أن تأتي التكبيرة التي جعلت الشخير يتصاعد من حلقين على الأقل من الحلوق التي تراخت، وبدأ لعابها يسيل، وهنا بدأ يتجسد أمام المدعو بالتي هى أحسن إشكال حقيقي، يواجهه منفرداً، ولأول مرة في حياته، ماذا بالضبط عليه أن يفعل؟!، وما هو حُكم الدين في موقف كهذا؟!. وهل إذا رفع جذعه تفسد صلاته، وربما صلاة الجماعة بأسرها؟!. فيحمل هو وحده ذلك الوزر كله؟!. وهل يحتمل أن يكون هو دوناً عن الساجدين جميعاً المتسبب في إفساد الصلاة، والعودة الحديثة لله وبيته وحظيره الدين؟!. كل ذلك جعله يرى الله ماثلاً بجناته وجحيمه ووعده ووعيده أمام عيتيه. هو كالتلميذ يعود إلى المدرسة بدعوة كريمة حسنة، بعد طول بلطجة وطرمخة وتزويغ. كانت الرهبة من الخطأ، أو من الإقدام عليه، مسألة لا يمكن أن يحتملها تائب حديث التوبة مثله، أو يفكر فيه، ولكن الوقت يمتد، وألم ظهره يشتد، وفي تلك اللحظة بالذات يتململ مُتأففاًُ، نائحاً عليه غضروف ظهره المُحدودب، فينتفض مذعوراًً إلى الخارج بدبدباته الثقيلة، بأيامه البليده، بأحزانه المُقيمة، بأيمانه الغليظة، ألا يواربها مرة أخرى.. ولو انطبقت مراوح السماوات السبع على طبقات الأراضين السبع!. وبعد تلك الحادثة. يستمر المدعو بالتي هى أحسن على منواله كل ليلة، وفي صُحبته جُعرانه الصخري المسحور. كلبه الأسود الضخم، ذي الذيل الأجرد والخطوة العرجاء. يتخطى برفيقيه انحدارة الجدار الطيني للطاحونة المهجورة المعتمة. ظل شجرة الجميز الضخمة غير المثمرة. الميضأة الخلفية للمسجد العتيق بمأذنته المشروخة وحماماته الستة. وعند عتبة الحمام الأخير. يدفع الباب الخشبي بقدمه ويدخل، دون أن يغلقه من جديد، ناعماً بالدُّش البارد النحيل، وبعد انتهائه. يترك بلا مبالاة سرسوب المياه يتدحرج لاهياًً من الحافة المُدببة لمصفاة الدُش الدائرية، المبدورة بالثقوب الصدئة، تقطع بجلبتها الشقية رنين الصمت. في الوقت الذي يخرج فيه المدعو بالتي هى أحسن من صحن المسجد، وهو يتشح عباءة الليل السوداء، وينتعل دبيب خطواته الفيلية البليدية المتموجة برنين صدى قرقعة قبقابه الخشبي على أرضية الدهليز الخشنة المعروشة بالخوص، وسعف النخيل، ومظلة اللبلاب الذابل المنقوش بخيوط العنكبوت وأوكار الحيات.

وهكذا ينتهي المدعو بالتي هى أحسن من أول طقوسه السوداء، ثم يمضي  من جديد بصحبة كلبه الأسود، وجعرانه المسحور المنقوش بالطلاسم والأحاجي القديمة، وفي قلبه عهده الغليظ، وفي عينيه ليله الغطيس، عازماً على استكمال باقي طقوسه السوداء، عندما نبدو الرؤى بركة من الظلال، والنجوم أفراخ مبلولة بالغيام. عندما يهرع من الجُرن كتاكيت الصغار، وينفض السَّمر والتماسي بالحَجَر، ويهمد على البُعد نواح الساقية وآنين الناي وبحة الأرغول الحزين. وفي التو. يهرول حول القرية في سبعة أشواط، داهساً العتبات، مُسامراً الأموات، هائماً في الطُرقات، يترصد جنيَّة الماء المسحورة التي لطشت عقله عند ضفة بحر النيل الموغلة المياه!. وقبيل الفجر. يشد مزلاج الباب الخشبي العتيق بصرير يشق سكون الليل والمكان بصدى صوته الغريب، ترافقه نحنحاته الخشنة، لهاث كلبه الأسود، ظل مصطبة البحراية المستطيل المغبر بالجفاف والشقوق العميقة، وفي القاعة القبلية يدس جعرانه تحت فرشته المجعدة، أسفل ناروزة سقف القاعة الضيقة، أعلي رماد طاقة الفرن الميت. وعند الحائط العاري يلكز فخذ امرأته الأفعواني اللدن، يجاور صمته بصمتها، فتتململ.. تاركة مساحة كافية لتقلبات ليلة طقوسه السوداء. ليلة العنقاء والغول والنداهة وابو رجل مسلوخه. ليلة الأرق والقلق وشطة الأجفان. ليلة الدموع والعرق وجفاف الحلق. ليلة الكوابيس وشطحات الخيال. ليلة الخبال وعربدة الأبالسه. ليلة الذعر واختلال التل. ليلة العودة وإنا لله وإنا إليه راجعون. ليلة مصرع الزغاريد وآنات الأهات. ليلة ذيل القط والع نار في حقول القش. ليلة سنابك الخيل وحريق الخيام وهوان الأسر. ليلة الشياط. ليلة العياط. ليلة قطع الوصال ومقتل الحُسين. ليلة النصل والفصل وحد السكين. ليلة حساب الروح وتسديد الديون للديان الأحد الأمين. ليلة الغاشية ولو كنتم في بروج مُشيدة. ليلة الآهة والرجفة وجنون الإنتظار. ليلة يا ريت ويا ريت ويا ريت. ليلة ولده الوحيد الغريق عند الجسر الواصل بين الضفتين!.

 

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent