recent
أخبار ساخنة

قطار الكهرباء يفتخر على مركبِ الخيلِ

 

قِطار الكهرباء يفتخر على مركبِ الخيلِ

قطار الكهرباء يفتخر على مركب الخيل


        أيتها المركب : لقد آن لك أن تلزمى السكون، وتختفى عن العيون، حتى لا تضايقى المارة، وتزحمى الطريق من غير ما جدوى ولا غناء ، فقد إنقضى عصرك، وذهبت أيامك، وذالت × دولتك، فلا تحاولى أن تبارينى فى مضمار  القوة، والعمل، وقد حاق بك الفناء، وقضى عليك تنازع البقاء، فما كان للحصباء أن تستحيل دراً، ولا للغراب أن يصير نسرا، وهيهات لمن بلغ من الكِبَر عتباً ، أن يعود شاباً فتيا، هأنذا : أجمل منك شكلاً، وأهول منظراً، وأضخم جسما، وأشد قوة، وأمتن تركيباً، أمرّ يَحفّنى الجلال والمهابة، وتحدونى العظمة والإكبار ، فترنو العيون، وتُصغى الآذ ان، ويُشار إلىّ بالبنان . وينتظرنى الناس على أحرّ من الجمر، وقوفاً على الأقدام، كأنما القادم ملِك خطير، أو قائد مظفّر، أو زعيم وجَبَتْ له الطاعة، ودانت له الجماعة، فإذا أقبلت أتهادى كالعروس، وأختال كالطاوس، ارتَمَوْا فى أحضانى فرحين مسرورين. أين جسمك النحيل، وشخصك الضئيل، من جِرمى الهائل الممتد، الذى ينساب فوق القضبان، فتميد الأرض، وتهتز الجدران : وأين قوتك الخائرة، وحركتك الخافتة، يقِيَّدك الوحل، وتعثرين بالحصى، من عزمى الماضى، وبأسى الشديد : يطوى الطرقات، ويجتاح العقبات، لو إعترضه بحرلفرقه ، أو صخر لفلقه، وأين جهدك المحدود، وجَلَدُك  الواهى، تعجزين أن تسيرى الذميل ، قِيد الميل، ممن يعتسف الرمال، ويتوقل فى التِّلال، ويجتاز الشُّقة الطويلة، فى لحظة قليلة، لا يشكو الأين والكلال، ولا فرق عنده بين نور وظلام، وحر وقُرّ، وسهل وَوَعر. ألا ترين كيف أنطلق فى أحشاء المدينة إنطلاق السهم إلى الرمية، وأندفع إندفاع السيل إلى الحَدور ، فأصل ما إنقطع منها، وأقرّب ما بعد عنها، وأمِدّحَبل الصلة، بين خططها المتناثرة، وأرباضها  المتفرقة، فيسهل الإنتقال، وتتيسَّر مزاولة الأعمال، وتصبح المدينة على

إستبحار عمرانها، ووفرة سكانها، كأنها محلَّة واحدة تسكنها عشيرة مؤتلفة، وماذا تكون حال مدينة ضخمة كالقاهرة، لو لم تمتد فيها شرايين (الترام)، أكانت تجارتها نافقة، وأسواقها عامرة، وحركتها رائجة، ×

قِطارُ الكهرباء يفتخر على مركبِ الخيلِ

وسكانها فى رخاء، ومدنيتها فى نماء ؟ أما كان يتحكم فى أهلها الحوذيون  الغلاظ الشداد، الموسومون بالشره والعناد،
×يبهظونهم  بالأجرة ويذيقونهم سوء العذاب، بدلهم ولَجاجهم . ولست مثلك أركب كل طريق، وأخبط فى كل ناحية، بل أسلك الشوارع الفخمة، والطرق المنظمة، أنساب فيها على قضب حديدية، إنسياب الرقطاء. ولى محطات أقف عليها، وأطورة مرصوفة، ليسهل على الرُّكَّاب ×الصعود والنزول، وهم بنجوة من الخطر. وقد قسّمت أقساماً جميلة، فقسم للسيدات، وثان للعامة، وثالث للخاصة، وأجرتى زهيدة، يقطع بها الراكب مسافة بعيدة، يرى فيها ما يشرح صدره، ويُقر عينه، من مشاهدات رائقة، ومناظر أنية. ولا أُولِم الحيوان وأرهقه، فكم عطبَِتْ أفراس عتيقة، ونفقت  جياد مطهَّمة  بك وبسائقك الأخرق الحُطَمة . فلا أرضاً ×قطعت، ولا ظهراً أبقيت. ولكنى أسير بقوة خفية كالروح من أمر ربى، هى الكهرباء ذات الأسرار الغريبة، والآثار المدهشة، وبينما أنت تضيقين ذَرْعاً  بركوب أربعة من الناس، فتأنِّين وتتألمين، إذ بى أحمل مالا يحصى عدَّاً، لا أشكو ولا أتبرم، وفوق كراسى المصفوفة يطيب الحديث، وتعقد صلات التعارف والتآلف، ويجد الإنسان من يُسرِّى عنه الوحشة، ويجلب له الإيناس.  × 


author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent