recent
أخبار ساخنة

الطيران فوق بكين..!. (4)

 


 الطيران فوق بكين..!.

 

 

      نجا "مسعود"  و"كريم" وزميلهما "بربريزي" من أسر العصابة الصينية، وكان الفضل في نجاتهم لله أولاً، ثم للعلبتين الطائرتين العجيبتين، ولم يزل الثلاثة طائرين فوق جزائر، وبحيرات، وأنهار، ومستنقعات، وجبال، ووهاد، وتباب، حتى وصلوا إلى "تينتسين". وكان لـ"مسعود"  صديق سوداني يعيش في هذه المدينة الصينية منذ سنين، فهبطوا بالقرب من داره، وقضوا في ضيافته أياماً سعيدة، إستراحوا فيها من المتاعب التي ذاقوها في الأيام الماضية، وفي هذه المدينة، فارقهما "بربريزي"، ثم استأنف "مسعود"  و"كريم" رحلتهما إلى العاصمة الصينية "بكين"، فحلقا في سمائها على ارتفاع قليل، ليستمتعا عن قرب بمشاهدة القصور الفخمة، والأبنية الضخمة، والحدائق الغناء الساحرة، التي أثارت دهشة "كريم"، والأهم من هذا وذاك، ما يسمى بالصينية "سي خه يوان"، أي الدار الرباعية بطرازها المعماري الفريد، وأيضاً سور المدينة!.

      قال "مسعود"، وهو يشير إلى السور: أنظر يا "كريم" إلى هذا السور العالي،. فنظر "كريم" بدهشة وقال: يا ربي، إنه سور ضخم جداً وجميل. ولكن من بناه يا تُرى؟. فأجابه "مسعود" وقال: لقد بناه الصينيون ذاتهم حول مدينتهم، كما يبني بعضنا الأسوار حول بيوته. فقال "كريم":ولكن. لماذا بناه الصينيون. فأجابه "مسعود" وقال: ليحموا مدينة "بكين" من الغزاة، وقد بلغوا به في الإرتفاع حداً بعيدا، فإن ارتفاعه يبلغ عشرين متراً. وعندئذ قال "كريم": إنه إرتفاع هائل بالفعل، ولكني ألاحظ مع ذلك، أن بعض أجزاء المدينة تقع خارج السور، فلماذا؟. ألا يخشون على هذه الأجزاء من غزو الأعداء، كما يخشون على سائر المدينة؟. وعندئذ ضحك "مسعود" من ملاحظة "كريم" وقال: إن هذه الأجزاء التي تراها خارج السور، حديثة البناء كلها، فإن كل مدينة تتسع حين يزيد عدد سكانها، لابد من ذلك، وقد أصبحت الأسوار حول "بكين" بلا فائدة في هذا الزمان الذي نحن فيه، لأن وسائل الحرب الحديثة لا تمنعها الأسوار العالية، ولا الجدران الغليظة، وإنما بُني هذا السور العظيم في الزمن الغابر، حين كانت الأسوار وسيلة من أعظم الوسائل لحماية المدن من غارات العدو، وأظنك قد رأيت في مدينة "القاهرة" عاصمة بلدنا "مصر" سوراً عظيماً يحيط بكثير من أجزائها، له أبواب مفتوحة للدخول والخروج، كباب زويلة في الشمال، وبوابة الفتوح من الغرب، وأبواب أخرى، منها باب القنطرة، وباب سعادة، فذاك السور الذي قي "القاهرة"، مثل هذا السور الذي في "بكين"، كان وسيلة قديمة من وسائل الدفاع عن المدينة، ثم ذهبت فائدته في عصرنا الحديث، فبقى أثراً من الآثار، وأنشئت الأبنية الحديثة وراءه وأمامه.

      صمت "مسعود"، فسأله "كريم": ولكن. من قام ببناء مدينة "بكين" ذاتها؟. إنها مدينة جميلة. فأجابه "مسعود" وهو ينظر إلى المدينة تحته. قال: لقد قرأت ما كتبه مؤرخ صيني من أبناء دولة "تايوان"، إذ قال بأن مهندسا عربيا اسمه  "اختيار الدين"، هو الذي خطط مدينة "بكين" على هذا المنوال البديع، وانه استلهم فخامة وعظمة عاصمة الرشيد في "بغداد" مع تكييفها للطابع الصيني. كما كان هناك دور خاص لرجُل مسلم هو السيد الأجَل "شمس الدين" الذي تولى القضاء في مدينة "دادو". أي "بكين" حاليا، وقد قيل انه تقلب في مناصب الثقة مع الإمبراطور المغولي "قبلاي خان"، وقد مر حين من الدهر كانت فيه "بكين" عاصمة للثقافة العربية في الصين، بفضل العدد الكبير من المسلمين، الذين تولوا أعمال الإدارة والمال والعلوم في بلاط أسرة "يوان"، كما أن الرحالة الشهير البندقي "ماركو بولو" عندما زار مدينة "بكين"، المحاطة بالسور العظيم هذا، سماها "كان بلج"، ومعناها المدينة الإمبراطورية، ثم تغير إسمها بعد ذلك إلى "بكين". وعندئذ عقب "كريم" قائلاً: قد فهمت، ولكن. ما معنى كلمة "بكين" عند الصينيين، والتي يسمون بها عاصمتهم اليوم؟. فأجابه "مسعود" وقال: معناها عاصمة الشمال. فهتف "كريم" وقال: أنظر يا "مسعود". إني أرى زحاماً تحتنا، أفتظن أن اليوم موعد السوق؟. فأجابه "مسعود" قائلاً: إن الفلاحين يحضرون إلى هذه المدينة، ليبيعوا غلاتهم الزراعية من كل نوع. والآن. هيا يا "كريم"  نطير إلى قلب مدينة "بكين"، حيث نرى الحدائق الغناء العظيمة، والأبراج الهائلة، والقصور الفخمة العجيبة، إننا كما قلت لك نطير فوق المدينة الإمبراطورية، التي كان يعيش فيها يوماً ما الإمبراطور الصيني. وعندما وصل الصديقان إلى قلب مدينة "بكين"، هتف "كريم" وقال: يا ربي. ما هذا المسجد الكبير؟. فأجابه "مسعود" وقال: إنه مسجد "نيوجيه" الذي يقف شاهدا على الأثر العربي في عاصمة الصين "بكين" منذ القرن العاشر الميلادي، وتقول السجلات التاريخية أن مؤسسه هو "ناصر الدين" الابن الثاني للعالم العربي "قوام الدين" الذي جاء من بلاد العرب إلى "الصين" ليستقر فيها. والآن. هيا بنا نطير إلى "التبت" البلد العجيبة الثانية، الواقعة في سقف العالم..!.

author-img
عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent