recent
أخبار ساخنة

فنون الصين..! (2)

   


 فنون الصين..!

 

      كان "كريم" حزيناً كل الحزن، لوقوعه في أسر العصابة الصينية، يائساً كل اليأس من إمكان الخلاص من تلك الورطة، ولكن صديقه "مسعود"، كان على عكسه، متفائلاً كل التفاؤل، يعتقد أن رعاية، إضافة إلى شجاعته وعلمه وثقافته ومعرفته، سينقذهما بعد قليل من ذاك الأسر، أما المخطوف الثالث "بربريزي"، فكان صامتاً طوال الوقت، لآن زميليه لن يفهما منه حرفاً إن تكلم. فقط بعض أفراد العصابة، هُم من يفهمون لغته، ولغة زميليه. أما عن أمارات الهم الشديد التي انطبعت على وجه الفتى الإيطالي "بربريزي"، إذ ربما كان معتقداً أن إفلاته من أسر العصابة الصينية مستحيلاً، وعندما خلا الثلاثة فتيان إلى أنفسهم في أول ليلة، بعد أن قضوا نهاراً شاقاً في صيد السمك، جلس "مسعود"  يغني فرحاً، مرحاً، فصاح به "كريم" مُغضَّباً: كيف تغني يا صديقي، ونحن في هذا الأسر، وتلك الورطة؟. إنك تجرح صدري، وتزيد همي، لقد كرهت بكين، والصين بأسرها، وكل ما فيها، ومن فيها، حتى ما أطيق أن أسمع كلمة الصين، أو ألفظها، وأبغضت كل صيني، حتى شايهم، وأوعية طعامهم، وأعوادهم الخشبية. فقال "مسعود" معقباً، وهو يبتسم ابتسامة واسعة، شقت نصف وجهه: إنك مخطئ يا "كريم"، أتكره الصين كلها، وكل ما ينتسب إليها، لمجرد أنك وقعت في أسر عصابة من الصينيين، لا تخلو كل بلد من بلاد العالم من أمثالها، ولا يسئ ذلك إلى باقي شعوبها؟. إن شعب الصين يا صديفي، هو شعب عريق، طيب، له ماض بعيد في الحضارة، وله كذلك شهرة عظيمة بالفنون، منذ زمن طويل.

      ولكن "كريم" قال ساخراً: نعم، أعرف أن أهل الصين اخترعوا الحبر، والساعات، والأقلام، واللعب، والمكانس، والسيارات، وسفن الفضاء، والموبايلات، والكومبيوترات، وحتى المسابح، وسجاجيد الصلاة، والجلابيب، وغيرها كثير، ولكن...

      وعندئذ، إستمر "مسعود"  في دفاعه الحماسي عن الصين وأهلها قائلاً: من غير لكن يا "كريم"، إن  شعب الصين متحضراً منذ القدم، حين كانت أوروبا متوحشة، همجية، فإن من الصينيين الفنانين في النحت، والتصوير، وهندسة البناء، وصناعة الإلكترونيات، وصناعة الصواريخ، والطائرات، وكذلك، صناعة أوعية الفخار، والنقش على المعادن، وغير ذلك الكثير، مما لا يعد، ولا يحصى، كما أن لهُم أبحاث قيمة في كل مجالات المعرفة، في العلوم الطبيعية، وفي الكيمياء، وفي الفلك، وهُم أيضاً أول من اخترع الطباعة، وعنهم تعلم الأوروبيون صناعة الحرير. أما عن تعدادهم، فيبلغ تعداد الصين ما يزيد على الألف مليون نسمة، وقد كانت بلادهم إلى وقت قريب مقفلة في وجوه الأجانب، لا يدخلها أحداً منهم، وكان السائح الشهير ماركو بولو، هو أول أوروبي استطاع أن يقترب من سواحل الصين، وفي إحدى السنوات البعيدة، نشبت في الصين ثورة شديدة، تغير بها نظام الحكم، فصارت حكومتها جمهورية، بدلاً من امبراطورية، ولكن ثوراتها لم تهدأ بعد ذلك، وهذا سبب أن الواحد لم يكن يرى في الصين حتى وقت قريب مظاهر الحضارة، والمدنية، التي كادت أن تندثر، فإن الثورات المتتالية تمسح آثار الحضارات، وحين استتب النظام في الصين، إستطاعت أن تبلغ الحضارة  والمدنية فيها مبلغاً، جعلها في مقدمة دول العالم، أما عن الفرد الصيني ذاته، فهو بطبيعته طيب القلب، صبور، دؤوب على العمل، وأرض الصين خصبة، جيدة التربة، وفي جوفها كثير من المعادن التي تنهض بالصناعات العظيمة فيها، وتزيد الثروة الوطنية بداخلها.

      كان "مسعود"  يقول هذا، و"كريم" يستمع إليه مُكرهاً في ضيق، وكان مما يزيد ضيقه، هو عواء الذئاب المتتابع خارج الكوخ الذي يعيشون فيه، فلما انتهى "مسعود" من وصف حضارة ومدنية الصين، وحاضرها، عاد "كريم" إلى سخريته من الصين وشعبها، فقال: ولكن، ما هذا الذيل الذي يتدلى من رؤوس بعض أفراد العصابة الصينية، أهو رمز من رموز حضارتهم ومدنيتها؟. فضحك "مسعود"، وقال: أتعني هذه الخصلة من الشعر التي تتدلى من خلف رؤوس بعض أفراد العصابة الصينية، إن لها قصة تاريخية يا "كريم".

-ما هى؟.

-القصة تقول أن المغول حين غزوا تلك الإمبراطورية الصينية العظيمة في التاريخ القديم، وغلبوا أهلها، طلبوا منهم أن يتركوا هذه الخصلة تتدلى من رؤوسهم، لتكون علامة يُعرفون بها، وكان الموت جزاء من يخالف هذا الأمر، ومن أجل ذلك، عُمت، حتى صار خلف رأس كل صيني تقريباً ذيل، ولكنهم بدءوا منذ إعلان الجمهورية، يتخلصون تقريباً من هذه الذيول، وهى الآن في سبيل الإنقراض.

      وهكذا، لم يكد "مسعود"  ينتهي من حديثه عن ذيول أهل الصين، وقصتها التاريخية، حتى سمع وقع أقدام تقترب من الكوخ، فرقد على الأرض، وأخذ يصيح: آآآه! يا بطني!. إلحقوني!. أكاد أموت!.. أدركوني بالدواء!. وحينئذ إنزعج "كريم" بشدة، ومال على أذن "مسعود"، يقول له: ماذا بك، أرعبتني؟. فغمزه "مسعود"  ليسكُت، واستمر يصيح كالمتآلم: آآآه!.. يا بطني!. فدخل الحارس، ليعرف ماذا أصاب الأسير، فقال له "مسعود"، وهو يتأوه: أرجو أن تدركني، إنني أكاد أموت، ودوائي في العلبتين، اللتين أخذتموهما مننا،.آآآه!.. أدركني!. فجرى الحارس مسرعاً إلى الخارج، في حين كان "كريم" في تلك اللحظة، يضحك في سره من حُسن احتيال "مسعود"، وعبقريته، للحصول على العلبتين الطائرتين..!.  


author-img
بقلم: عزت عبد العزيز حجازي - المُحامي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent